Wednesday, July 22, 2009

جازم عبد الرحمن ،،، وحدث صدفة


الصدفة
وحدها‏,‏ جعلت مذبحة تلميذات مدرسة إطفيح الثانوية من قرية البرمبل تقع علي يد سائق سيارة نقل تحمل الرمل مما أدي الي مقتل‏16‏ فتاة وإصابة‏8‏ آخريات‏,‏ والصدفة جعلت ذلك يحدث في نفس توقيت وقوع مذبحة جامعة ولاية فرجينيا الأمريكية للتكنولوجيا في مدينة بلاكسبرج علي يد طالب كوري جنوبي مضطرب نفسيا مما أسفر عن مقتل‏32‏ شخصا ثم انتحار القاتل‏.‏

‏(1)‏ أصبح من الأمور المعتادة في مصر هذه الأيام أن تقع حوادث طرق مميتة‏.‏ ووتيرتها عالية ففي احصائية أخيرة‏,‏ نجد أن‏110‏ مصريين يلقون حتفهم علي الطريق كل أسبوع ولا يقتصر السبب في ذلك علي هيئة السكك الحديدية‏,‏ أو أتوبيسات النقل العام‏,‏ أو السيارات الخاصة‏,‏ أو الأتوبيسات السياحية وسيارات النقل بكل أنواعها‏.‏ كلا السبب هو كل هذه العناصر معا وإن كنا للحق لم نسمع عن حادث سكك حديدية منذ فترة من الوقت ونسأل الله ألا نسمع‏.‏ والي جانب ذلك‏,‏ فالدراسات المرورية تقول إن الحادث‏(‏ أي حادث‏)‏ يقع بسبب أخطاء بشرية‏,‏ وعيوب في السيارات لسوء الصيانة‏,‏ وعيوب في الطريق‏,‏ وتضيف هذه الدراسات أن حالة الطرق في مصر مسئولة عن‏15%‏ علي الأقل من الحوادث‏.‏
وهكذا شاء الحظ العاثر أن تلميذات الثانوي بعد أن استيقظن وارتدين ملابسهن وتوكلن علي الله‏,‏ لم يجدن أمامهن إلا أن يركبن في صندوق سيارة نصف نقل لكي تنقلهن الي إطفيح من قريتهم البرمبل وأخذت السيارة طريقها ولكن علي الطريق المفرد قابلتهن سيارة محملة بالرمل قادمة من الاتجاه المعاكس‏,‏ فاصطدمت بها وأحالتها الي حطام ودم وبدلا من أن تنتقل التلميذات الي المدرسة‏,‏ ثم ينجحن ويرتقين درجة‏,‏ اذا بهن ينتقلن إلي الرفيق الأعلي ويودعن الدنيا بما فيها‏.‏
ومن المدهشات في الحكاية أن البنات ركبن صندوق السيارة الذي عادة ما توضع به بضائع وحمولات مختلفة ما بين بهائم وأسمنت وأسمدة وخضراوات حسب التساهيل كيف يحدث هذا؟ ومن الذي يصرح به؟ إلا أنها هي الحقيقة التي نعيش معها ليلا ونهارا وتتكرر كل يوم‏.‏‏(2)‏ويشاء العليم القدير أن تصبح بلدة بلاكسبرج في ولاية فيرجينيا الأمريكية في بؤرة اهتمام العالم فجأة والمدينة أو البلدة عدد سكانها‏39‏ ألف نسمة‏,60%‏ منهم طلبة وأساتذة وأعضاء جهاز إداري في الجامعة التكنولوجية بالمدينة وهذه الجامعة تشتهر عادة بالبطولات التي تحققها في كرة القدم الأمريكية لكنها مثل سائر المدن الأمريكية تتسم بالتساهل في القوانين المنظمة لحمل الأسلحة النارية‏,‏ كالبنادق والمسدسات وهذا هو السر‏,‏ في أننا كل حين نسمع عن أن طالبا أصابته لوثة عقلية وقتل زملاءه‏.‏
كشفت الوقائع المذهلة‏,‏ عن أن الطالب المهووس‏(‏ كوري جنوبي‏)‏ فتح النار في البداية وقتل اثنين من زملائه في عنبر النوم‏,‏ وظل لمدة ساعتين بعد ذلك‏,‏ يرسل أشرطة فيديو وخطابا عن الحادث الذي ارتكبه في طرد بالبريد الي محطة تليفزيون إن‏.‏بي‏.‏سي يبين فيه دوافعه وكيف أنه يعتقد أنه المسيح وأنه شهيد مثله وأن المجتمع الأمريكي هو مجتمع مادي منحل فاسق بعيد عن الطريق الديني القويم وبعد أن فرغ من هذا كله حمل أسلحته‏,‏ وعاد ليفتح نيرانه من جديد ليقتل‏30‏ طالبا آخرين‏..‏ أين كان أمن الجامعة؟ أين كانت الشرطة؟ كيف لم يستجب أحد من أجهزة الاسعاف بالبلدة للاتصالات التليفونية التي لابد أن بعض الطلبة قد قام بها طلبا للنجدة فور وقوع الحادث الأول وقبل الحادث الثاني؟ لا أحد يعلم أي شيء‏.‏
إنها ذات القصة نفسها طالب ملتاث‏,‏ تسمح له القوانين بحيازة أسلحة فيحوزها ثم يستخدمها في تصفية زملائه‏,‏ بينما الدولة بكل أجهزتها من المدينة‏,‏ الي الولاية الي الإدارة الفيدرالية في غفلة كاملة عما يحدث‏.‏ عفوا لم تكن الغفلة كاملة كان هناك شيء واحد موضع اختلاف‏.‏
فالبيت الأبيض أصدر بيانا أعرب فيه بوش عن شعوره بالصدمة والفزع والحزن والكونجرس ديمقراطيون وجمهوريون أصدروا بيانات‏,‏ جميعهم نددوا وأظهروا شعورهم بالصدمة وأبدوا أسفهم الشديد ثم كانت هناك تلك الجنازة الصامتة علي ضوء الشموع عبر جميع انحاء الولايات المتحدة‏..‏ صحيح أن المشهد كان حزينا ومهيبا ومؤثرا وحضر بوش ولورا بنفسيهما القداس الجنائزي في مدينة بلاكسبرج‏..‏ لكن ماذا بعد؟‏.‏
لا شيء فمازالت الأغلبية في المجتمع الأمريكي تقبل فكرة التساهل في قوانين حمل السلاح وهي مع هذا التساهل‏,‏ تتقبل فكرة تكرار هذا الحادث‏..‏ كل فترة من الزمن‏.‏‏(3)‏ هكذا يبدو لنا التشابه‏,‏ في مصر‏,‏ تسمح سلوكيات المرور بوقوع حوادث من نوع حادث أطفيح وفي أمريكا تسمح سلوكيات حيازة الأسلحة النارية بوقوع حادث من نوع ما جري في فيرجينيا‏.‏ وفي الحالتين‏,‏ ما لم يكن هناك تغير في سلوكيات البشر‏,‏ فلن يتغير شيء‏.‏
قد يكون المشهد في بلدة بلاكسبرج يحتشد بالأبهة والعز‏,‏ والثراء‏,‏ وثقافة الحزن الفاخر‏,‏ وهي كلها عناصر يخلو منها مشهد الجنازة بين الفقراء والبسطاء من ابناء البرمبل‏..‏ فهذا علي الأقل هو الفارق بين أمريكا ومصر‏..‏ ولكن في النهاية يكشف عن سر واحد‏..‏ سلوكيات خاطئة تقتل الانسان في مصر وأمريكا‏.‏

0 comments:

Post a Comment