
الانطباع
السائد لدى عامة الناس أن تموز (يوليو) شهر الحملات والتحامل على ثورة 1952 وعبد الناصر، وكذا الحال مع حزيران (يونيو) شهر نكسة 1967 والواقع يؤكد أن الحملات وموجات التحامل مستمرة منذ إندلاع الثورة ولم تنته بموت قائدها أو بتصفيتها. وقد يكون هذا قدر حركات التغيير الكبرى.
عليها أن تواجهه سواء كانت منتصرة أو مهزومة. حين تكون منتصرة تواجَه بالعمل السري والتآمر والاختراق والحرب النفسية، وعندما يخبو بريق النصر وتحل محله عتمة الانكسار تصبح المواجهة سافرة وضارية. فالقوى التي أضيرت كبيرة وضخمة وتملك المال والإعلام وإمكانيات الحرب النفسية وصناعة الأكاذيب، وليس هناك من هو أخبر من العرب في معرفة كنه هذه الصناعة. حين بدأت الحملات والتحاملات كانت على استحياء، ولم تكن بسفورها الحالي. بسبب أوضاع إقليمية ودولية أوجدت كوابح حالت دون هذا السفور الراهن. وبانتهاء الحرب الباردة وهزيمة كثير من حركات التحرر الوطنية والقومية والعالمية، وانهيار الاتحاد السوفييتي. انتقلت الرأسمالية من مواقع الدفاع إلى الهجوم، وهذا أعادها إلى أساليبها التقليدية في الغزو والاحتلال ومناصرة الاستيطان ومساندة العنصرية، وكانت المنظومة الغربية الرأسمالية في مراحل دفاعها تعتمد على استقطاب ورعاية نفايات وضحايا الثورات وحركات التحرر. ضخت في عروقهم دماء جديدة. وأطلقتهم لإغراء المواطنين الفقراء ومتوسطي الحال، بعد أن خبا بريق الثورة التي قامت لتحقق أحلامهم، ومنهم من بادر بتقديم أوراق اعتماد مزيفة لرد الاعتبار للعائدين من كهوف الماضي وحفريات الآثار. فانتسبوا زورا لأصول إقطاعية، وادعوا بأنهم كانوا من الملاك وأصحاب الثروات التي صادرتها الثورة، وذلك للحصول على أقصى المكاسب من الدوائر الغربية والصهيونية. ومن بين هؤلاء تشكل الطابور الخامس الجاهز لتنفيذ ما يكلف به في اختراق أو غزو وطنه وتخريبه في الداخل أو تشويهه في الخارج.
وثورة يوليو/ تموز وعبد الناصر وما يرمز إليه في اشتباك يومي مع هؤلاء. وبعد غياب اقترب من الأربعين عاما ما زال هذا الاشتباك على أشده، وهذا يدعو إلى التوقف قليلا لتنبيه الذين وقعوا في فخ التراجع تحت وهم المراجعة، وكي لا يستمر الأمر ملتبسا أو مختلطا عليهم. نقول ان المراجعة تعني التقييم والنقد والتقويم والتطوير والاستجابة للمتغيرات، والتراجع عكس ذلك تماما. بدعوى التقييم تم تعميم الإدانة، وحل التشويه مكان النقد، واستبدل التقويم بالتصفية. وتوقف التطوير بالجمود. وكانت التبعية الاستجابة المزيفة للمتغيرات الإقليمية والدولية، وما جعل عبد الناصر طرفا دائما في هذا الاشتباك هو النموذج الذي قدمه مقارنة بغيره. بساطة في الحياة وقناعة في العيش وحضور طاغ وتأثير بالغ، ومنجزات عملاقة وعديدة في زمن قياسي، وتواصل مع البسطاء ندر أن يتكرر مع زعيم من الزعماء، وتواصله تخطى الحاجز الوطني المصري ليملأ فضاء الوطن العربي، فيمتد البريق إلى العالم الثالث وغير الثالث. وتنشأ العقدة حين يعتاد الجمهور على حاكم من هذا الطراز وبهذه المواصفات. وهذه العقدة حكمت من جاءوا بعده. راوغوا بإمكانياتهم المتواضعة وقدراتهم المحدودة، وتصوروا أن الإساءة إليه ترفع من قدرهم، وتخيلوا أن الهدم يغطي على البناء، وخدعهم مشهد الأنقاض المتخلف عما هدموا وضخامته واعتبروه إنجازا، واختلط الأمر على الناس بسبب إسقاط الفروق بين معاني الهدم ومضامين البناء.
يقول العلم الحديث ان ضرورة الثورات في مراحل معينة من التاريخ الإنساني تنشأ عند الحاجة إلى تغيير العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعدما تصاب بالخلل والشذوذ. وهي تشبه إلى حد كبير العمليات الجراحية الضرورية لسلامة الجسم. بعدها تنتقل الثورات إلى الاستقرار وتترك نظامها الجديد للنمو والتطور الطبيعي، ليصبح قادرا على الاستجابة لمستجدات الزمان ومتغيرات المكان. وهذا لم يتح لثورة تموز (يوليو) ولا لعبد الناصر. الذي كان وعيه شديدا لطبيعة الثورة في بلادنا المغايرة للثورات الأوروبية، فأوربا حين ثارت كانت تقع تحت وطأة استغلال وظلم اجتماعي داخلي حاد، فثارت ضد الإقطاع راعي وصانع هذا الاستغلال وذلك الظلم. ونقلت سلطة الحكم والقرار والتصرف في الثروة إلى التجار والطبقة الوسطى. وكانت هذه بداية الديمقراطية بمعناها التحرري (الليبرالي). إلا أنها بعد أن استقرت غطت استغلالها وظلمها لشعوبها بفائض ما تحصل عليه من المستعمرات والنهب والاستيلاء على ثروات الشعوب واستيطان أراضيها واقتلاع شعوب سمراء وصفراء وحمراء واستبدالها بأخرى بيضاء.
ثورات العرب منذ أن تفجرت كانت خارج ذلك السياق الأوروبي. لم يكن عدو ثورة القاهرة الكبرى في بداية القرن التاسع عشر واحدا. كانت مهمتها مزدوجة. عليها مواجهة الاحتلال الفرنسي والقضاء على استغلال ونهب المماليك وظلمهم. وانتهت إلى تنصيب محمد علي، وإعلان استقلال مصر عن الامبراطورية العثمانية. وبعد ضعف وانحراف خلفائه من أسرته اندلعت ثورة عرابي ضد النفوذ الأجنبي في الجيش والإدارات الحكومية، وضد استعباد الفلاحين من طرف الأجانب وكبار الملاك. وهزمها التدخل البريطاني وخضعت لاحتلاله، وفي محاولة ثورة 1919 تفادي ما حصل لعرابي قبل قادتها العمل تحت راية الأسرة المالكة. فحصلت على دستور وبرلمان وأبقت على تحالف الاحتلال والقصر والإقطاع والرأسمالية الناشئة. وكان وعي عبد الناصر بالتاريخ حافزا له على أن يحقق ما عجز عنه سعد زغلول. وبدأ بالإصلاح الزراعي ليعيد التوازن إلى المجتمع لينعم بالقدر اللازم من السلام الاجتماعي، وندعي أن الأثر الذي أحدثه قانون الإصلاح الزراعي كان العامل الأهم في فقدان الاحتلال لسنده الداخلي ولم يجد بدا إلا بالرحيل. وبعدها تبوأت مصر موقع القيادة في الأمة العربية، ومكانتها المتميزة في العالم الثالث، وبين حركة عدم الانحياز، وهذا ضاعف من سعيها في إقامة تعاون دولي متكافئ، كأساس لسلام قائم على العدل.
بدأت مرحلة التراجع الأولى بإحلال 'رجل الدولة' محل الزعيم الثائر، وكان الاصطناع والافتعال واضحا. الاعتماد على المظهر، ومستوى الملابس المصممة في بيوت أزياء عالمية، وأضواء مبهرة لأجهزة التصوير وحجم من الأصباغ والألوان عكستها أغلفة المجلات والمطبوعات الغربية - الأمريكية خصوصا - وصار رئيس الدولة نجما تحتفي به أجهزة الإعلام والصحف الغربية. إلى أن وقع في الفخ. وعلقت غولدا مائير بخبثها ودهائها على حصول السادات على جائزة نوبل مناصفة مع مناحيم بيغن بقولها كان الأولى به أن يحصل على الأوسكار، وهي لمن لا يعرف جائزة تمنح للممثلين ونجوم السينما وليس للزعماء. وبعد حادث المنصة جاء لمصر حاكم يجمع بين انضباط الموظف الحكومي واليد الثقيلة لرئيس المخفر. وأنتهى الوضع بإفساح المجال أمام نوع جديد من المسؤولين. يشترط فيهم إجادة السمسرة والمضاربة والعمل في البورصات والوساطة في الصفقات والمعاملات التجارية والمصرفية والاقتصادية. والتراجع أدى إلى هذه النقلات الغريبة والشاذة في طبيعة الحكم والحاكم المصري. وترك بصماته على أبناء المسؤولين. لا تجد بينهم عالما أو خبيرا أو مهنيا (مهندسا/ طبيبا/ جيولوجيا/ صحافيا/ أكاديميا/ محاميا/ محاسبا). أنشطتهم انحصرت في تأسيس الشركات الخاصة وخدمة المصالح والاحتكارات الكبرى، ويراكمون ثرواتهم بالسمسرة والعمولة والرشوة وعائد الخصخصة وصفقات السلاح. وما زال أبناء المهنيين والموظفين وصغار الكسبة والفلاحين والعمال مصدرا للعلماء والخبراء والفنانين والادباء والمثقفين.
دون هذا الفهم تصعب عملية التفرقة بين المراجعة والتراجع. ولتقريب الفكرة علينا أن نمر بشكل عابر على مراجعات أعقبت أحداثا كبرى، مثل العدوان الثلاثي 1956 فقد كانت الثورة تعيش مرحلة تجريبية، وتتبع ما عرف بمنهج التجربة والخطأ، على أساس أن من يجرب ويخطئ يتعلم من أخطائه، وبعد أن صار للثورة أيديولوجيتها وتبلور خطها جرت نكسة 1967 وأعقبتها مراجعة شاملة. تحمل فيها جمال عبد الناصر مسؤوليته كاملة عن الهزيمة، وبادر بتقديم استقالته، واتبعها حين عدل عنها بمحاكمة المسؤولين السياسيين والعسكريين المتسببين فيها، وكشف تجاوزات المخابرات، وهو الذي أعلن سقوط دولتها وقدم رئيسها ومسؤوليها إلى محكمة خاصة. وصيغت الدولة والتنظيم السياسي على أسس جديدة، وأعيد بناء القوات المسلحة من الصفر. واستجابت لتطورات العلم الحديث، وتم تجنيد حملة المؤهلات وخريجي الجامعات، والارتقاء بمستوى رعايتهم ووعيهم وتدريبهم وأدائهم. وظهرت النتائج سريعا مع حرب الاستنزاف وحرب 1973 فيما بعد، وما كان لها أن تنجح دون مشاركة المجتمع، الذي تحمل راضيا أعباء المعركة وأخذ على عاتقه حماية المنشآت والمؤسسات والهيئات الاقتصادية والإدارية والاستراتيجية داخل الحدود، وشكل كتائب من العمال والفلاحين لهذا الغرض، أما الطلاب والشباب قاموا بخدمة الخطوط الخلفية للقتال عن طريق 'كتائب خدمة الجبهة'، وبهذا الجهد المكثف وفي مدى زمني قصير استرد الجيش ثقته بنفسه واستعد المواطنون نفسيا واقتصاديا وعسكريا للمقاومة و'إزالة آثار العدوان' وواجهوا غارات العدو على المنشآت المدنية، المصانع والمدارس والقناطر. هذه المراجعة انتقلت مصر من الصمود بعد الهزيمة إلى حالة الردع في 1969ـ 1970 ثم الى مستوى النصر 1973. واستمرار استغلال النكسة لنشر ثقافة الهزيمة ضد طبيعة الأشياء، لأن النصر يجب الهزيمة، إلا مع حكام مصر الحاليين، وقابليتهم للعبودية هي السبب في نشر ثقافة الهزيمة، وبذلك يجسدون المثل الحي للتراجع.
ومن عار التراجع الذي بدأ بُعَيد حرب 1973، تلك الرسالة المخزية التي وجهت للإدارة الأمريكية تكشف طبيعة الحرب في ثاني أيامها. والجنود وهم يستبسلون ويستشهدون ويعبرون خط بارليف المنيع، لم يدر بخيالهم أن الهدف ليس التحرير إنما تحريك الركود السياسي وإنهاء ما عرف وقتها بالاسترخاء العسكري، وذلك بهدف التفاوض (وأشار إلى هذه الرسالة الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل)، وتوالت التداعيات، القوات الصهيونية تتقدم على الجبهتين المصرية والسورية، وتمكنت غولدا مائير وارييل شارون من فتح ثغرة الدفرسوار لتعبر قوات العدو إلى الضفة الشرقية للقناة وتحاصر الجيش الثالث. وبعدها أعطى السادات لواشنطن تسعة وتسعين في المئة من الأوراق، وتوالت تراجعات الانفتاح وتفكيك البنية الاقتصادية والسياسية والإدارية للدولة، وجاء ذلك مصحوبا بحملة نفسية وإعلامية شرسة شوهت كل ما له علاقة بالثورة والمقاومة والعمل الوطني والقومي والإنساني. وغطت على تصفية المنجزات الإنتاجية والصناعية والتعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية. وحل القحط والجفاف محل الثراء الفكري والعلمي والثقافي، مما مكن أهل الحكم من حشد المجهود الاقتصادي والسياسي والعسكري لصالح المشروع الصهيوني. وهو الشيء الذي لم يكن يتصوره أكثر الناس تشاؤما.
' كاتب من مصر يقيم في لندن
Sunday, July 26, 2009
محمد دياب ،،،ثورة ناصر هل بقى لها ناصر
مجلة المصداقية السياسية
on 8:42 PM
Subscribe to:
Post Comments (Atom)




0 comments:
Post a Comment