Wednesday, July 22, 2009

مامون فندى ،،،،،وهذا هو ردى


كتبت
مقالاً منتقداً جماعة التكفير، فردّ فهمي هويدي («الشرق الأوسط» بتاريخ 18 أغسطس (آب) الحالي). نصّب الرجل نفسه طواعية، كمتحدث عن جماعة التكفير، وفي التنصيب نصب أيضاً. وفي مقاله، تجلّت كل ملامح مدرسة التكفير!، فبدلاً من التعامل مع مقالي كما كتبته، وجدت الرجل يعيد كتابة مقالي على طريقته، بهدف إخراجي من العروبة والإسلام. وبدلاً من أن يكون علمياً ومهنياً في ردّه على ما كتبت، ويقتبس مما كتبت حرفياً واضعاً الاقتباسات بين علامات تنصيص، كما تعلمنا في أصول المهنة، نجده يتجاهل كل هذا، فبدلاً من مناقشته لنص كتبته على الورق، فوجئت به يردّ على نص في رأسه كتبه هو. إذن نحن أمام حالة غريبة، أقرب إلى الهذيان منها إلى الواقع، فالرجل اخترع في رأسه «مأمون« لا يشبهني. وكتب مقالاً غير مقالي ليرد عليه. ومع ذلك، سأتجنب الانزلاق في مجموعة الفخاخ التي نصبها لي، وآخذه على محمل الجد، وأناقش مقاله بشيء من العلمية، لأن القارئ الذي أتوجه إليه، أهم مني ومنه في هذا المقام، وهو القادر على تمييز الغث من السمين.
بداية، إذا خلعنا عن مقال هويدي الزخارف اللغوية وألاعيب التخفي خلف الحواجز الترابية، نجد أنفسنا في مواجهة مع نص يحمل كل مواصفات النص الإرهابي، ويعتمد كل استراتيجيات مقالات التكفير، كبديل عن العقلانية والتفكير.

أولى علامات المقال التكفيري، هي أنه يبدأ دائماً بإخراج الإنسان المستهدف من الملّة ومن العِرق ومن الدين، ويوظف لهذا الغرض مجموعة من الحِيل والألاعيب البلاغية لإنجاز المهمة. الحيلة الأولى، هي أن يسوّد التكفيري وجهك، ثم يضعك إلى جوار صورة ناصعة لشخص مقابل، بغض النظر عن صحتها، وهذا ما فعله هويدي في مقاله، وضعني ضمن نفر في الولايات المتحدة «عرفوا بأنهم من أكثر الباحثين احتقاراً للعرب»، مجموعة يعملون «مستشارين للمؤسسات المعادية للعرب». طبعاً، كما ترون، لم يذكر الرجل اسم مؤسسة واحدة أعمل بها، ولم يذكر استشارة واحدة قمت بها ضد أهلي، اتهامات غير موثقة، وينقصها الدليل، ويجب ألاّ ننشر على الناس، غمزا ولمزا على أنه حقائق، وكل ما اعتمد عليه هويدي، هو فعل مبني للمجهول في أول جملته، هو «عُرفوا».. فمن الذي عرفهم؟ وأين قرأت هذا؟.

الحيلة الثانية في المقال التكفيري كما ذكرت، هي أنه سوّد وجهي، ووضعه إلى جانب وجه ادوارد سعيد، الذي أسبغ عليه هويدي صفات «النزيه الغيور على أمته، الذي لم يغير جلده ولا قيمه». وأي تلميذ قرأ كتاب ادوارد سعيد، الموسوم «خارج المكان« Out of Place، يدرك أن سعيداً كان مفكراً مركباً، تقلقه مسألة الهوية، ولا يؤمن بمسألة الجِلد هذه، حتى انه أوصى بإحراق جسده بعد الموت!، ودفن رماده في لبنان، وهو أمر لا أظن أن فهمي هويدي يدرجه ضمن الحفاظ على الجلد والقيم، ادوارد سعيد رحمه الله، كتب الكثير من المقولات التي تدين الأصوليات، وليس فيما كتب شيء واحد يدل على التعصب والعنصرية والتمسك بالجلد، من كتابه «النص والعالم»، إلى مقالاته الأدبية في مجلة «البحث النقدي« Critical Inquiry، إلى كتاباته السياسية، لكن هويدي اخترع لنا ادوارد سعيد آخر من رأسه!، كما يخترع رفاقه من الأصوليين نعوم تشومسكي على مقاسهم، لإرضاء شيء في نفوسهم، شيء منافٍ للواقع تماماً. وقد قرأت تشومسكي كله بالإنجليزية، وقرأت سعيد كله بالانجليزية، ولم أجد شبهاً بين الرجلين كما خبرتهما في النص الأصلي، وما بين صورتيهما المرسومتين من قبل الأصوليين عندنا، ممن يعتمدون معارف الغرب المسروقة، ويسوقونها على أنها بضاعتهم، ولهذا مقال آخر.

بالطبع، الحديث عن تشومسكي وسعيد، أمر لا أظن صاحبنا يعرفه. وبمناسبة الاولمبياد فإن معركتي مع سعيد كانت معركة في كأس العالم، أما هويدي فيلعب في «دوري كليك» (ولغير المصريين فهذا دوري محلي ترعاه شركة خاصة في مصر). كل ما فعله هويدي هو أنه استخدم ادوارد سعيد كساتر ترابي يتخفى خلفه لكي يهاجمني، ولكي يضفي على مَشْتَمتِه صِبغة علمية، لكن كما ترون، وبعد نزع الزخارف اللغوية ونظم الكلام المنمّق عن مقاله، لا نجد إلا وحشي القول وغريبه، على غرار أنهم في الغرب «يعاشرون أطفالهم الصغار والحيوانات أيضاً».

لكن هدفه من كل هذا، هو أن يضعني في سياق مشوش من تأليفه لإخراجي من عالم العروبة والإسلام، من دونما دليل.

يا أخي، إن لم تستطع ذِكر أسماء واضحة، ومؤسسات واضحة، ومهمّات واضحة، قُمتُ بها ضد العرب والمسلمين، فلتصمتْ، ولو إلى حين، لعلك تحظى ولو بدليل واهن يعضّد افتراءك. فدونما دليل، يصبح المقال نوعاً من «ضرب البانجو« والخرف، لا يرقى إلى مستوى النشر في صحيفة يطّلع عليها الناس .

ملمح ثالث من ملامح النص الإرهابي هو التشويه، فبدلاً من أن يرد هويدي على المقولة الأساسية في المقال، الداعية إلى التفكير كبديل للتكفير، نجده يركز على المثال الذي استخدمته عن تخيل العالم كغرفة. مثال قلت عنه أنا وبوضوح، انه اختزال مقصود، ثم يأتي هو ليقول انه اختزال، وبهذا فسّر الماء بالماء، ظاناً أنه «جاب الدّيب من ديله».

يقول هويدي «فاحتلال فلسطين والعراق لا علاقة له بالتكفير»، وإذا تركنا الشأن الفلسطيني جانباً، فأظن أنه لا يوجد عاقل واحد لا يقول بأن الحرب على العراق جاءت نتيجة لأحداث 11 سبتمبر، أو «غزوة منهاتن» كما يسميها التكفيريون، بغض النظر عن خطأ ردّة الفعل الأميركية أو صوابها، أو وجود أدلة أو عدمه، فيما يخص تورط نظام صدام وعلاقته بابن لادن، المهم هو أن الدولة العظمى اتخذت من حدث 11 سبتمبر، الذي نفذته مدرسة التكفير ذريعة، فكيف لا يكون للتكفير علاقة بذلك؟، أيريد هويدي أيضاً أن يعيد علينا ما قاله في مقاله السابق عن «تحرير المقاومة العراقية« (4 أغسطس (آب) الحالي)، التي جاءت تبريراً للزرقاوي ولجماعات القتل؟ أم أنه يريد تكرار مقاله عن براءة حكومة البشير من الخراب في دارفور (21 يوليو (تموز) 2004)، كما فعل في مقال سابق، لامَ فيه كل العالم على ما يحدث في السودان، إلاّ جماعة الأصولية الترابية والبشير!، مدّعياً بأن ما يحدث هو مؤامرة لإبعاد الضوء عن فلسطين، فهل هذا تحليل يقبله عاقل؟، تقديم التكفيريين على أنهم «حمل وديع»، وكل من انتقدهم على أنه خائن للعروبة ومتنصل من جلدته، هو استخفاف بعقل القارئ ومحض دجل وألاعيب حواة خائبة ومكشوفة.

القضية بالنسبة للمتابع لكتابات فهمي هويدي، هي مناصبته العِداء لتيار التفكير، فنحن هنا أمام معركة بين تيارين: التفكير والتكفير!، وقد ناصب هويدي العِداء لرموز تيار التفكير، فشنّ حملة شعواء على رضا هلال، ردّ اللّه غيبته، مما اضطر رضا إلى الرد عليه في «الشرق الأوسط»، في مقال بعنوان «الإرهاب يبدأ بالعقل»، واستمرت جماعات التكفير في تشويه رضا هلال، حتى لحظة اختفائه في 11 أغسطس العام الماضي. وبعد اختفاء هلال، ناصب هويدي العِداء رمزاً آخر من رموز التفكير، وهو الدكتور عبد المنعم سعيد، وما زالت حملة التشويه هذه مستمرة، فلا أحد منهم يناقش أفكار عبد المنعم، فقط يشوهون صورته ، حملة تبدأ في صحف عربية ثم تجد لها مكانا بقدرة قادة في «الشرق الأوسط»!.

لا ألوم هويدي على ما قاله عني في السياق الأميركي، ذلك لأنه، وعلى ما يبدو مما كتب، لا يعرف هذا العالم وتعقيداته. ألم يكن هو الرجل الذي خلط ما بين منظمة ايباك الممثلة للوبي الإسرائيلي في واشنطن، ومجلس العلاقات الخارجية؟، ألم يقل في مقال سابق بأن مقر المجلس هو واشنطن، رغم ان المبتدئين يعرفون ان مقر المجلس في نيويورك؟!. إذا كانت تلك هي درجة الخلط، عن عمد أو عن جهل، فليس بغريب أن يرسم لي تلك الصورة المشوهة، فهو رجل لا أعرفه ولا يعرفني. ولم نلتق ولو مرة واحدة، فكل ما يكتبه عني، هو أمر سماعي لا يعتدّ به.

اختلاط الأمر لدى هويدي، ربما راجع لأنه يكتب بغزارة في أكثر من موقع، وأشك أن هناك مجلة حائط في العالم العربي لا تجد فيها مقالاً لهويدي. في هذا التهافت، وهذا الزحام، يختلط عنده الحابل بالنابل.

أما هجومه الشخصي عليّ، فهو أمر لا يستحق الرد!، فقط أقول بأن من وُلد في بقعة من الارض إلى جوار وادي الملوك وينتمي إلى حضارتي نقادة الأولى والثانية، غالباً ما تكون لديه الثقة الحضارية، ولديه مناعة ضد الانبهار، فنحن قوم متوازنون لا نحتقر حضارة ولا نقدس أخرى، رفعت عنا غشاوة الانبهار، فرأينا الأمور كما هي، عارية من الزيف ومن الزخرف. وإن اراد هويدي مناقشة أعمالي الاكاديمية، فهي غزيرة بلغات لا يعرفها، لكنها موجودة، وحسبه أن يقرأ ما وثقه عني كاتب في قامة الطيب صالح بمجلة «المجلة»، عندما أشار الى انني أحاضر أحيانا بجلبابي وعمامتي الصعيدية في أعرق الجامعات الأميركية، في إشارة فيها مداعبة منه لما أسماه توجه «الصعايدة الحضاري»، فعم يتحدث هويدي؟

لافت للنظر في أسلوب هويدي حديثه بالضمير «نا» للفاعلين، فيبدو وكأنه المتحدث باسم جماعة لا باسم فرد، سواء أكانت هذه الجماعة هي جماعة التكفير، أو أنه نصّب نفسه متحدثاً باسم المسلمين والعرب. وفي هذا انتفاخ وتضخيم للذات، إلا إذا كانت «نا» على غرار شخصية الخديوي وبقايا الأتراك في الأفلام المصرية، عندما يقول المتحدث «حظرتنا»، أصول لا انتسب إليها ...

المهم هو أن هويدي ألّف نصاً من رأسه غير الذي كتبت، ورسم صورة لا تشبهني، وأقام حرباً مع شياطينه الداخلية، وخيّل له، في غفلة من العقل، أنه يرد على مقالي، ومقالي منه بريء، براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لكن ما هي حيلتنا في عالم بدأ يفضّل الضبابية على الوضوح، والخَبَل على العقل، وجماعة التكفير على جماعة التفكير؟!.

فقط، ادعو إلى الخروج من عالم المراهقة والشطط، إلى عالم الرزانة والرشد، روية الكبار لا نزَق الصغار.

وما كنت لأرد على مقال هويدي، لو لا أنني رأيته في سياق معركة تيار التفكير ضد تيار التكفير، ففي الانزلاق إلى المهاترات الشخصية تخريب للنفس. فعندما تقدح خصمك أو تهجوه، فإنك لا تصيبه بقدر ما تصيب جوهرك الداخلي بأمراض ما أغناك عنها. اسئلتي التي طرحتها في مقالي عن جماعة التكفير، ما زالت قائمة تنتظر رداً عاقلاً يتعامل مع الأفكار، ويترفع عن شخصنة الحوار.. فالمراد في النهاية، إثراء النقاش، فعقل القارئ أهم بكثير من أن نزعجه بجنون العظمة وتضخم ذوات نفر من الكُتّاب.

0 comments:

Post a Comment