عندما يكون لوزارة الخارجية متحدث رسمي باسمها وبدرجة سفير فإن عليه واجبًا أن يزن كلماته بميزان ذهب.. لأكثر من سبب.. من أول هذه الأسباب أن المتحدث بدرجة سفير وهو أمر يفرض عليه - كما على أي سفير- ألا يلقي الكلام على عواهنه، خاصة إذا كان يتحدث للإعلام لأن حديثه ليس شخصيا إنما هو منسوب إلى وزارة سيادية تختص بالشئون الخارجية.. وثاني هذه الأسباب أن وزارة الخارجية لا تضع السياسة الخارجية ﻠ«مصر» إنما هي فقط تتقدم بمقترحات أو خطة للمسئول طبقًا للدستور القائم عن السياسة الخارجية، وهو رئيس الجمهورية..
فالمتحدث باسم وزارة الخارجية يجب أن يدرك وهو يدلي بحديث أو تصريح أنه لا يعبر عن وزارة الخارجية إنما عن آراء رئيس الجمهورية.. أي عن الدولة المصرية.
وحديث المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الذي تصدر الصفحة الأولى ﻠ«الأهرام» يوم الأربعاء الماضي 23 ديسمبر الجاري تضمن مغالطات ترقى إلى حد الاستهزاء بفعل الشعب المصري وبمواقفه التاريخية تجاه القضية الفلسطينية كما تضمن فهمًا خاطئًا عن الأمن القومي المصري الذي لا يتحقق أبدًا بما اسماه أعمالاً هندسية!!.. وكان يقصد الجدار الفولاذي الذي يقوم العمال المصريون تحت إشراف المهندسين الأمريكيين - وربما بتمويل من الولايات المتحدة- بإقامته على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة.. إنه يقوله هذا يبرر ﻠ«إسرائيل» إقامتها لجدار الفصل العنصري الذي أقامته - وتواصل إقامة ما تبقى منه- في الضفة الغربية فهو - أي جدار الفصل العنصري- يدخل ضمن إطار الأعمال الهندسية!!
بل تستطيع إسرائيل - وفقًا لمنطق المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية- الاعتماد على هذا التصريح لتضرب عرض الحائط - وقد فعلت عمليا وتحت سمعنا وبصرنا- بحكم محكمة العدل الدولية في لاهاي الصادر في عام 2004، وشارك في إصداره قاض مصري هو الدكتور نبيل العربي الذي قضى بأغلبية أربعة عشر صوتًا (قاضيا) ضد صوت واحد بأن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال ببنائه في الأرض الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية وما حولها والنظام المرتبط به يتعارض مع أحكام القانون الدولي، والقانون الإنساني الدولي، فهذا الجدار هو أعمال هندسية!!.. الذي قاله السفير المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية كما جاء نصًا في صدر الصفحة الأولى من «أهرام» يوم الأربعاء الماضي قوله لا فض فوه.. «إن الخوض في أمر بناء مصر بعض الإنشاءات!! على الحدود مع قطاع غزة يعتبر مساسًا بالأمن القومي المصري» (!!)!! (وألف علامة تعجب)... وأضاف قائلاً «إن تسمية بعض الإنشاءات المصرية بالجدار غير صحيح فهي أعمال هندسية!!!! وأن الإعلام مملوء بتسميات (وصحتها مسميات) لا تمت للحقيقة بصلة!!» ولم يقل لنا ما الحقيقة؟؟.. ما الحقيقة لو سمحت؟؟ ولم يقل لنا سعادة السفير ما طبيعة وشكل هذه الإنشاءات والغرض من إقامتها!! ومن الذي يتحمل تكاليف إقامتها؟ أمريكا أم إسرائيل أم مصر؟ بل الأدهي والأمر قوله.. إن الخوض في أمر بناء مصر بعض الإنشاءات على الحدود مع قطاع غزة يعتبر مساسًا بالأمن القومي المصري!! (ومليون علامة تعجب).
أي أن مجرد الخوض والحديث عن هذه الإنشاءات «يعتبر مساسًا بالأمن القومي المصري»!!.. أي ممنوع على كاتب مثلى أو مثل أي صحفي فالأستاذ فهمي هويدي أو الإعلامي الكبير حمدي قنديل أن يخوض أو يتحدث أو يكتب عن هذه الإنشاءات (التي هي الجدار الفولاذي على طول حدودنا مع غزة) لأن في هذا مساس بالأمن القومي المصري!!.. علمًا بأن الذي بدأ بالكشف عن هذه الإنشاءات (الجدار اللا إنساني مع غزة) هو صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية.
التي في وجودها - إسرائيل- خطر كل الخطر على الأمن القومي المصري والعربي.. ولست أعرف من أي كلية جامعية تخرج سيادة المتحدث الرسمي ومع ذلك فإن أي إنسان على قدر من الثقافة العامة حتى ولو كان يحمل فقط شهادة الابتدائية أو شهادة الإعدادية يعلم أن الأمن القومي المصري لا يعنى أبدًا الحدود السياسية!!.. وأن الأمن القومي المصري يبدأ من جبال طوروس في سوريا.. ﻓ«نابليون» عندما احتل مصر أدرك أن لا يمكن له الاحتفاظ ﺒ«مصر» كمستعمرة فرنسية إلا إذا احتل بلاد الشام (سوريا ولبنان) ومن هنا قام بغزو فلسطين وبدأ بمدينة عكا.. فلما استعصى عليه احتلال مدينة عكا فإنه عاد إلى مصر ومنها عاد إلى فرنسا.. وبعده محمد على (باشا) الذي أدرك ذلك بحسه الفطري العسكري ضرورة احتلال الشام للاحتفاظ ﺒ«مصر».. بل إن عمرو بن العاص الذي كان قائدًا عسكريا فذًا بالفطرة أدرك ذلك أيضًا إلى حد أنه بعث برسالة إلى الخليفة عمر بن الخطاب قائلا له إما أن نفتح بلاد الشام أو ننسحب من مصر.
أيهم أخطر على الأمن القومي المصري.. إسرائيل التي لديها رابع جيش في العالم مزود بأحدث الأسلحة وفيها مائتا قنبلة ذرية أم مليون ونصف المليون فلسطيني - سكان غزة- بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ هم جميعًا يفتقدون الطعام والدواء والمسكن بعد أن هدمت إسرائيل مساكنهم ويعيش ثُلثهم في العراء في هذا الشتاء القارص.. أيهم أخطر على الأمن القومي المصري؟؟.. هل تعرف سعادة السفير أن سكان غزة لم يقدموا الأضحية في عيد الأضحى لأنه لا توجد لديهم ماشية.. هل قرأت في ذات صحيفة «الأهرام» التي نشرت تصريحاتك نداء استغاثة لإرسال معلبات تحتوى على لحوم إلى سكان قطاع غزة الذين لم يأكلوا لحومًا منذ عدة شهور ولا حتى خضراوات لأن الفلاح في غزة لا يستطيع الاقتراب من أرضه الزراعية لأن جنود الاحتلال الإسرائيليين يطلقون النيران على أي فلسطيني في غزة يقترب من أرضه الزراعية لقربها من الحدود.
«الإنشاءات» التي أشرت إليها سعادة السفير والتي اعتبرت أن الحديث أو الكتابة عنها ممنوع، لأن في ذلك مساسًا بالأمن القومي المصري هي كما قالت «هاآرتس» عبارة عن جدار فولاذي تحت الأرض لمنع التهريب.. تهريب ماذا؟.. الطعام والدواء.. بل وربما السلاح.. ولماذا لا؟ أليست غزة تحت الاحتلال ومن حق سكان غزة المقاومة طبقًا لأحكام القانون الدولي وقرارات الجمعية العامة للأمم لمتحدة.
نفترض سعادة السفير أنه عندما كنت طفلاً صغير السن وغادرت أسرتك المسكن وغابت طويلاً.. وشعرت أنت بالجوع، فهل لو كنت قد قمت بطرق باب أحد جيرانك وطالبته بطعام لأنك جائع هل في هذا عدوان على هذا الجار ومساس بأمنه القومي؟
قارن سعادة السفير بين حاجة سكان غزة للطعام والدواء والمسكن ومنعك وصول كل هذا لهم وشاركت مع إسرائيل في حصارهم وبين إمدادك - أي مصر- ﻠ«إسرائيل» بالغاز وبسعر بخس.. أيهم أولى بالمعونة إسرائيل أم سكان قطاع غزة العرب المسلمين؟.. أيهم أولى إنارة محطة كهرباء تل أبيب بالغاز المصري وبسعر بخس أم إغاثة طفل من غزة يكاد يموت من الجوع ومن المرض وليس عنده طعام ولا دواء؟
وبعد.. عفوًا سعادة السفير فما كنت أعنيك شخصيا.. بل اللوم على النظام الذي منذ أيام السادات اعتبر أن كل ما بين مصر وإسرائيل هو مجرد حاجز نفسي!!.. ووضع 99% من الأوراق في يد أمريكا حامي حمى إسرائيل.. واختار إسرائيل كموصل جيد للوصول إلى قلب الحبيب الأمريكي!!.. وأصبح الحاجز النفسي بين أشقاء لنا في الدين واللغة والأرض والتاريخ.. اللوم على نظام نسى موقف الشعب المصري من قضية فلسطين.. نسى أو تناسى أو لم يقرأ أصلاً موقف نواب البرلمان المصري (النواب والشيوخ) من قضية فلسطين.. نسى قول مصطفي النحاس باشا أن مصر ليست أقل تألمًا مما أصاب اليهود في أوروبا من الويلات ولكن لا يجب أن نحل مسألة يهود أوروبا بظلم يقع على عرب فلسطين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.. نسى أو تناسى أنه في يناير 1946 زار العاهل السعودي مصر واجتمع بالملك فاروق وتباحث في قضية فلسطين وأصدرا معًا بيانًا أعلنا فيه «مشاركتهم العرب والمسلمين في أبحاثهم بأن فلسطين بلد عرب وأن من حق أهلها وحق المسلمين والعرب أن تبقى عربية ومستقلة».. نسى أو تناسى تصريح واصف غالى باشا وزير خارجية مصر أيام عصبة الأمم أن مصر لا تأمن قيام دولة يهودية مصطنعة من خليط جنسيات مختلفة بجوارها.
عفوًا سعادة السفير، فما قصدتك شخصيا.. فما تشرفت بلقائك يومًا ولا بيني وبينك عداوة من أي نوع كان.. ولكن عدائي هو ﻠ«إسرائيل» ومن يسير في فلكها وتفوق على السادات وأصبح يقيم جدارًا عازلاً لا إنسانيا يحول بين طفل جائع ولقمة للعيش وكوب ماء يروى ظمأه ومسكن يأويه، ويعتبر ذلك عملاً وطنيا لدواعي وصالح الأمن القومي المصري!!
.jpg)




0 comments:
Post a Comment