Thursday, November 6, 2008

اين انت يااوباما ,,,,,المصرى ،،،،،بقلم دكتور حسن نافعة



فالنظام السياسي الأمريكي هو الذي صنع شخصية أوباما،








في 4 نوفمبر عام 2000 جرت في الولايات المتحدة الأمريكية انتخابات رئاسية حامت حول نزاهتها شبهات كثيرة بسبب عيوب شابت عمليات التصويت والفرز في ولاية فلوريدا المرجحة لكفة أصوات «المجمع الانتخابي»، وكان يحكمها في ذلك الوقت جيف بوش - شقيق المرشح للرئاسة- مما تسبب في تأخير إعلان نتيجتها لأيام طويلة. لذا لم يحسم الأمر إلا بحكم أصدرته المحكمة الفيدرالية وانصاع له الجميع في النهاية وأصبح جورج دبليو بوش الابن، بهذه الطريقة الفريدة من نوعها في التاريخ الأمريكي، هو الرئيس رقم 43 للولايات المتحدة الأمريكية



لكن حين حل موعد الانتخابات الرئاسية التالية في 4 نوفمبر عام 2004 قرر الشعب الأمريكي أن يصوت بوضوح لصالح التجديد لبوش لفترة ولاية ثانية. ولم أتردد في التعبير عن دهشتي، في مقال نشرته صحيفة الحياة اللندنية عقب هذه الانتخابات مباشرة، من إقدام الشعب الأمريكي على منح ثقته لمتطرف ثبت بالدليل القاطع أنه يقود بلاده والعالم كله نحو كارثة كبرى، وفسرت هذا الموقف باستمرار حالة الخوف القائمة منذ أحداث سبتمبر عام 2001 والتي نجح تيار المحافظين الجدد في استغلالها واستثمارها ببراعة.
بعد شهور قليلة من انتخابات 2004 الرئاسية، ومع تزايد معدل انكشاف حقائق وملابسات الحرب العدوانية على العراق واستمرار النزيف في الموارد الأمريكية البشرية والمادية في ظل عجز واضح من جانب إدارة بوش عن تحقيق أي إنجاز داخلي أو خارجي، بدأ الشعب الأمريكي يفيق من غفوته ويغير من نظرته للأمور، وهو ما تجلى في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس عام 2006 التي حصل فيها الحزب الديمقراطي على أغلبية واضحة. وعقب هذه الانتخابات مباشرة كتبت مقالا عبرت فيه مرة أخرى عن اعتقادي بأن نتيجتها ما هي إلا مقدمات لتغييرات كبرى قادمة على الطريق في المجتمع الأمريكي لم تتضح كل أعماقها بعد.
ثم جاءت حملة الانتخابات الرئاسية وبدأت معالم هذه التغييرات الكبرى تظهر رويدا رويدا إلى أن وقعت المفاجأة الكبرى، وفاز باراك أوباما رسميا بترشيح الحزب الديمقراطي في مواجهة شخصية بحجم وقوة هيلاري كلينتون، وهو ما اعتبرته تحولا تاريخيا ينبئ عن كثير قادم وليس نهاية المطاف.
ففي مقال بعنوان: ماذا لو أصبح أوباما رئيسا للولايات المتحدة نشر عقب فوزه بالترشيح مباشرة، قلت: «يرى كثير من المراقبين أن ما حققه أوباما حتى الآن أكبر بكثير مما كان متوقعا، مما يوحي ضمنا بأن فرصه في الوصول إلى البيت الأبيض تبدو ضئيلة. غير أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الرغبة في التغيير، والتي تفور في أحشاء المجتمع الأمريكي منذ فترة ليست بالقليلة، هي التي ولدت التيار الملتف الآن حول أوباما.
ولأنه ليس من المتصور أن يكتفي هذا التيار الواسع «بشرف المنافسة على مقعد الرئاسة»، فالأرجح أنه لن يهدأ بالا قبل أن يتمكن من الوصول بمرشحه المختار إلى خط النهاية، ويقوم بإجلاسه فوق مقعد الرئاسة في البيت الأبيض!.
ولأنني شخصيا لا أستبعد ذلك، فلا شك أنني سأصاب بدهشة كبيرة، وليس فقط بخيبة أمل، إذا قدر لجون ماكين أن يفوز في نوفمبر المقبل». وقد ثبت أن هذه القراءة للداخل الأمريكي لم تكن رجما بالغيب أو مجرد تعبير عن أمنيات واهية!.
بقي الآن أن نتأمل هذه المفارقة: ففي عامى 2000 و2004 صوت الشعب الأمريكي لصالح مرشح جاهل ومغرور كان في فترة شبابه المبكر طالبا فاشلا وسكيرا عربيدا وجد فيه تيار المحافظين الجدد ضالته المنشودة لسببين، الأول: تحوله في إحدى مراحل حياته إلى «مولود مسيحي جديد» على يد قس أصولي من أنصاره.
الثاني: سمات شخصية قابلة للترويج في سوق السياسة الأمريكية المفعم بمشاعر الوطنية وطموحات الهيمنة الدفينة، باعتباره شابا بروتستانتيا أبيض ينتمي لأسرة عريقة لها شأنها وثقلها في الحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية. لكن هذا الشعب نفسه عاد وصوت عام 2008 لصالح شاب ملون من أب كيني مسلم وأم أمريكية بروتستانتية بيضاء من أسرة ميسورة الحال، قضى جزءاً من طفولته المبكرة في مدرسة إسلامية في إندونيسيا قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة ليتربى في كنف جدته لأمه.
فكيف لمجتمع أن ينتقل من نقيض إلى آخر على هذا النحو فيسلم أمره إلى رجل مثل بوش الابن، ثم يعود فيسلمه إلى رجل مثل باراك أوباما محدثا بذلك ثورتين في اتجاهين مضادين تماما خلال أقل من عقد من الزمان.
قد يقول قائل إن ما حدث أمر طبيعي في مجتمع يحوي كل هذا الكم من التناقضات. فليس بغريب على مجتمع شيد بنيانه على جثث السكان الأصليين، وراكم ثرواته الأولى من عرق ملايين الأفارقة الذين استرقهم واستعبدهم على مدى قرنين من الزمان، واغتال زعماء من أمثال جون كيندي ومارتن لوثر كنج، أن يسلم زمام أموره، في ظروف معينة، لشاب جاهل توحي سماته بتخلف فطري واضح. كما أنه ليس بغريب في الوقت نفسه على مجتمع لم يتردد في خوض حرب أهلية للقضاء على العبودية.
ونجح في تقديم نموذج لنظام سياسي- أقتصادي- اجتماعي احتوى زخما غير مسبوق من القدرة على الابتكار والابداع، بصرف النظر عن تقييمنا له، أن يسلم زمام أموره في ظروف أخرى لشاب تلقى تعليما راقيا وامتلك سمات زعامة كاريزمية، حتى ولو كان ملونا ويحمل اسما مسلما في مجتمع ما زال في أعماقه عنصريا وكارها للمسلمين.
لست هنا بصدد البحث عن الأسباب العميقة التي أدت إلى وقوع تحول بهذا العمق أو حتى الإيحاء بأن انعكاساته على القضايا العربية ستكون إيجابية بالضرورة، لكنني أود التوقف هنا عند نقطة واحدة وهي الطبيعة السلمية لهذا التحول. فالتاريخ يشير إلى أن تحولات راديكالية من هذا النوع لا تحدث عادة إلا بوسائل عنيفة، كالانقلابات والثورات.
وتلك نقطة يجب أن تحسب لصالح النظام السياسي الأمريكي، بصرف النظر عن رأينا فيه أو تحفظاتنا على بعض جوانبه. فلولا مرونته الفائقة وقدرته على التأقلم وعلى مواجهة التحديات، وهي مرونة وقدرة لا تتمتع بهما معظم الأنظمة السياسية بما في ذلك أعرق الديمقراطيات الأوروبية، لما أمكن لشخصية تحمل سمات أوباما ومواصفاته أن تبرز مهما كانت عبقريتها.
فالنظام السياسي الأمريكي هو الذي صنع شخصية أوباما، وهو الذي تبناها ورعاها، وهو الذي دفع بها إلى مقدمة الصفوف وأفسح لها المجال لتتبوأ موقع القيادة في لحظة أزمة عميقة بدا واضحا أنها في أمس الحاجة إلى منقذ. فهل تابعت قيادات الحزب الوطني، على اختلاف مستوياتها، انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة واستوعبت دلالاتها ودروسها الحقيقية. والجواب: قطعا لا.
في مقاله المعنون: «وأين حوار الفصائل المصرية؟» والذي نشر بالمصري اليوم في 27/10، توقف أستاذنا الدكتور يحيى الجمل عند البدائل المطروحة لإخراج مصر من أزمتها الراهنة، وأشار مشكورا إلى أفكارنا حول هذا الموضوع - - وإلى أفكار مشابهة تضمنتها مبادرات أخرى كثيرة مطروحة على الساحة، خاصة في وثيقة شارك في صياغتها مؤخرا نفر من المهمومين بما يجري في مصر، وتساءل في نهاية مقاله قائلا: «ألم يئن الأوان للفصائل السياسية الممزقة كى تتداعى إلى كلمة سواء بينها وأن تتخذ من مشروع هذه الوثيقة بداية غير ملزمة وأن يعتبرها الجميع نقطة انطلاق لحوار من أجل إخراج هذا البلد من النفق المظلم الذي تحدث عنه وأفاض فيه حسن نافعة وكثيرون غيره والذي لن تخرج منه مصر إلا إذا التقت إرادة المخلصين من أبنائها واتفقوا على كلمة سواء من أجل هذا البلد. كلمة لا يدعي أحد أنه صاحبها وإنما كلمة تخرج من ضمير هذا الشعب العظيم الأبي لتخاطب ضمير شعب ذكي فراز لا ينطلي عليه الخداع». وهذا كلام جميل أتفق معه كلية وبلا تحفظ.
فادعاءات الزعامة والحرص على التفرد من أكبر آفات النخبة السياسية والفكرية في مصر. لذلك أناشد كل من يتصدى لمهمة العمل على «توحيد إرادة المخلصين من أبناء مصر وجمعهم إلى كلمة سواء»، أن لا يركز اهتمامه على «الفصائل السياسية الممزقة» وأن يوجه بصره إلى قطاع الشباب المبدع في كل المجالات والميادين لعله يعثر بينهم على أوباما مصري.
لن ينقذ مصر مما هي فيه إلا شبابها، لكن مهمة شباب مصر تبدو لى أصعب كثيرا من مهمة شباب أمريكي صنع التغيير بإصرار منقطع النظير. فالنظام السياسي الأمريكي يملك - رغم كل القوى العاتية المتخفية وراءه والمتحكمة فيه- ما يكفي من الشفافية لفرز ورعاية موهوبين وزعماء من أمثال أوباما. أما نظامنا الفرعوني ففيه من العتمة ما يكفي للحيلولة دون بروز أى زعيم شاب - فيما عدا واحداً بعينه- بل دفنهم في ظلام قبوره، إن ظهروا. لذا ليس هناك من سبيل سوى أن يقوموا بأنفسهم بالبحث عن أوباما مصري منقذ من بين صفوفهم!.

0 comments:

Post a Comment