
مجلة المصداقية
المفكر اللبناني علي حرب: لو ترك الأمر للسباق الاقتصادي
والتفاعل الثقافي لذابت "إسرائيل" في العالم العربي
أكد المفكر اللبناني المعروف د.علي حرب وجود اختلاف كبير في الخطابات العربية المعاصرة حيث لكل اتجاه فكري خطابه الخاص كما لكل بلد عربي خطابها المختلف.. مشيرا الى ان العرب ليسوا أصحاب خطاب يسهم في صنع المتغيرات .. وقال في لقاء مع "الوطن" ان الخطاب القومي يشهد المزيد من التمزق والتفتت بعد فشل مشاريع الوحدة في العالم العربي، كما ان الخطاب الماركسي قد تراجع بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي.. في حين ان الخطاب الإسلامي يشهد ازدهاراً الآن على غير ساحة عربية أو إسلامية، لافتا الى ان هذا الخطاب ليس واحداً إلا من حيث العنوان الكبير والخط العريض. وفيما يرى أن الديمقراطية أخذت تضعف في البلدان الديمقراطية نفسها، يقول ان مهمة المثقف العربي بعد سقوط النظريات الشمولية والمشاريع الطوباوية هي أن يعيد النظر بنماذجه في الرؤية والتقييم والتصنيف .
والمفكر علي حرب من مواليد البابلية جنوب لبنان صدر له: "التأويل والحقيقة" و"نقد النص" و"أوهام النخبة" و"نحو منطق تحويلي" و"خطاب الهوية" و"حديث النهايات" و"فتوحات العولمة ومآزق الهوية".. في السطور التالية نلتقيه ونحاوره حول مجموعة من النقاط..
* هل يمكن الحديث عن خطاب عربي معاصر في ظل المتغيرات الدولية؟
** من التبسيط الكلام على خطاب عربي واحد ووحيد، فالخطابات تختلف باختلاف الاتجاهات الفكرية والمذاهب السياسية، كما تختلف بحسب الدول والمناطق في العالم العربي، بل هي تختلف بحسب الأشخاص والكُتّاب. ولو اقتصرنا على المثقفين ممن يهتمون بالشؤون العامة وقضايا الساعة، أو ممن ينخرطون في السجالات حول المشكلات الساخنة والأحداث البارزة على المستوى العالمي، نجد أنهم يتناولون في خطاباتهم المتغيرات الدولية بالتعليق أو التحليل، بل هم يستخدمون المفردات الجديدة، كنظام العالمي والشرق أوسطية والمتوسطية والعولمية ومفاوضات السلام. بهذا المعنى ثمة خطاب جديد، مختلف عن الخطاب الذي كان سائداً في المرحلة السابقة، حيث كانت تهيمن مفردات كالاستعمار والرجعية والصهيونية، أو ما قبلها كالاشتراكية والتقدم والتحرر، ولا شك في أن هذا الخطاب الجديد هو معاصر، فنحن ننتمي في النهاية إلى عصرنا بشكل أو بآخر، ولكن ثمة فرقا بين معاصرة وأخرى..
ثمة من يسهم في تشكيل العالم المعاصر بالخلق والابتكار، بإنتاج السلع والأدوات، أو ببث الصور والمعلومات، أو بتوليد الأفكار والمفهومات، وهذه هي المعاصرة الخلاقة التي يمارس أهلها حضورهم وعالميتهم بقدر ما يؤثرون في مجرى الأحداث وتطور الأفكار على مسرح العالم، وفي المقابل هناك معاصرة سلبية، غير منتجة، يقتصر أهلها على التلقي والاستهلاك.
وما دمت أقتصر على القطاع الثقافي، بوسعي القول إن خطابات المثقفين، خصوصاً الدعاة وأصحاب المشاريع الإيديولوجية، هي من النوع الأخير، أي هي في الأكثر خطابات دفاعية تنذر وتحذر من الأخطار والكوارث التي ستجرها المتغيرات الدولية على المجتمعات العربية أو بالعكس، وفي الأقل خطابات تبجيلية تبشر بما ستحققه للعرب تلك المتغيرات من منافع ومكاسب..
بكلام آخر: لسنا أصحاب خطاب يسهم في صنع المتغيرات، وأقصد بذلك أن العالم لا يتغير على صعيد الوقائع وحسب، بل يتغير أيضاً على صعيد الفكر، أي بتشكيل خطابات تمتلك وقائعيتها وتكتسب حداثياتها بخلق وقائع فكرية، أو بتقديم قراءات للعالم تشكل بذاتها أحداثاً موازية للحدث الذي تحاول قراءته، كتلك الخطابات التي شغلتنا بأطروحاتها وأفكارها حول النظام العالمي، او حول نهاية التاريخ، أو حول صدام الحضارات، على هذا الصعيد نحن لا نسهم في صنع الأحداث، إذ لم نقدم بعد أفكاراً مهمة وخارقة يجري تداولها على الساحة الفكرية الدولية، بل إن منا من يعمل على نفي الوقائع والأفكار لكي تصح مقولاته أو تصدق أوهامه، ومنا من يراقب ويشاهد، ولكننا لا نساهم في صنع المشهد المعرفي أو في هندسة خريطة الفكر، غير أني أستثني في ذلك أولئك الذين يحاولون قراءة الأحداث والتعامل معها بصورة فعالة، كما أستثني أصحاب الخطابات النقدية، الذين يحاولون التحرر من أوهامهم والخروج من عجزهم وقصورهم، وذلك بتقديم الخطابات والممارسات، ومن أجل امتلاك قدرات جديدة للقول والفكر والعمل.
* وأين ترون موقع كل من الخطاب القومي والخطاب الماركسي لاسيما بعد الحروب الأخيرة.. حرب الخليج الثانية.. احتلال العراق.. حرب يوليو في لبنان وحرب غزة الأخيرة؟
** لا شك في أن الخطاب الماركسي قد تراجع بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا شأن الخطاب القومي على اختلاف تلاوينه وصيغه.. ويمكن القول ان هذه الحروب، كانت بمثابة الضربة القاضية بالنسبة إلى المشروع القومي والعمل الوحدوي، إذ فضحت الآليات التي يشتغل بموجبها العمل الوحدوي العربي، وأعني هنا التعامل مع مقومات الأمة والوطن والدولة والمجتمع والهوية بطريقة لاهوتية مقدسة أو بشكل دغماتي مغلق، أو على نحو أحادي تبسيطي، وكل ذلك لم ينتج سوى الهيمنة والاستبداد أو النبذ والاستبعاد أو العنف والاستئصال.
على كل حال فإن المشاريع ذات الطابع القومي أو الماركسي لم تكن تنتظر الأحداث التي تشير أنت إليها، لكي تشهد على فشلها، ثمة أحداث حصلت قبل ذلك كانت هي المؤشر على التراجع والفشل. هناك حرب لبنان، حيث كانت المشاريع تحترق يميناً ويساراً.. قومية واشتراكية، رجعية وتقدمية، وهناك حرب اليمن، أولاً بين الجناحين التقدميين داخل الحزب الماركسي اللينيني، ثم الحرب بين الشطرين الوحدويين على توحيد اليمن، فضلاً عن النزاعات والحروب على الساحة العربية عموماً .. بين هذه الدولة وتلك أو بين هذا المحور وذاك..
أخلص من ذلك إلى القول: إن مأزق الخطاب كامن في تقدميته بالذات، لدى الماركسيين، أي في تحويلهم فكرة التقدم إلى عقيدة تقدمية. وهكذا فقد تعاملوا مع أفكارهم كتعاليم منزلة أو كمرجعية مقدسة، ومارسوا علاقتهم بالزمن على نحو أصلي تراجعي، ولا عجب أن ننتج فلسفة التقدم على يدهم كل هذا التراجع والتخلف. وهذا شأن الخطاب القومي، فمقتله كامن في وحدويته بالذات، أي في تعامله مع الوحدة كأصل خرافي، أو كطيف آت من أقاصي الذاكرة، أو كفكرة متعالية ما ورائية لا علاقة لها بواقع الدول والمجتمعات والشعوب، ولا عجب أن تنتج هذه الفكرة على يدهم كل هذا الانقسام والتشرذم..
* هل ترون أن عصر الإيديولوجية قد انتهى فعلاً؟
** لا يلتئم مجتمع إنساني من دون عقائد أو إيديولوجيات تسهم في قولبة البشر وتطويعهم، أو في تعبئتهم وتجييشهم، سواء بالنسبة لمشروعات في الداخل أو لأهداف في الخارج، وعندما يقال: عصر الإيديولوجية قد انتهى، لا يقصد بذلك زوال النشاط الإيديولوجي أو نهاية الإيديولوجيات. وإنما يقصد، بحسب فهمي وتأويلي للمسألة فقدان الثقة بالسيناريوهات التقدمية والمشاريع الشمولية التي وعدت البشر بتحقيق فردوس أرضي اشتراكي أو ليبرالي، خصوصاً على يد الماركسية وحركات التحرر والتقدم.
على الأقل نحن نقف الآن موقفاً نقدياً من هذه النظريات والروايات ذات الطابع الشمولي والماورائي، بعد الذي حصل من انهيار في الأفكار والقيم والأحلام، أما أن تنتهي الإيديولوجية فذلك وهم وتبسيط أو سذاجة وخداع، فما دمنا نفكر وندافع عن أفكارنا أو نلتحم بهويتنا، فلا معدل لنا عن ممارسة النشاط الإيديولوجي. مختصر القول: كل فكرة تتحول إلى هوية تغدو عقيدة أو إيديولوجية، وهنا يتبدى الفرق بين المفكر من جهة وبين الداعية صاحب العقيدة أو الإيديولوجية، فهذا الأخير يتماهى مع فكرته أو يتمترس وراء مقولاته. أما الأول فإنه يشتغل على فكرة ويسعى إلى تفكيك مقولاته، محاولاً دوماً تغيير أفكاره أو طرائقه في التفكير، وهو بقدر ما ينجح في ذلك يسهم في تغيير الواقع وصنع الحقائق لأن الفكر هو علاقة بالذات كما هو علاقة بالغير، إنه ممارسة للوجود بقدر ما هو علاقة الحقيقة.
* أين موقع الديمقراطية ضمن أولوياتكم؟ وكيف ترون مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي؟
** يلاحظ أن الديمقراطية أخذت تضعف في البلدان الديمقراطية نفسها. إذاً هي تتراجع على أرضها بالذات بعد ثورة المعلومات التي تتيح تدفق الصور والرسائل والأعداد والعلاقات على نحو يجتاح الحدود بين الدول والقارات والثقافات.
وهكذا لم تعد الديمقراطية تمارس اليوم، كما كانت من قبل في ظل منطق العولمة ونظام السوق العالمية الواحدة، بمعنى أن القرارات لم تعد تصنعها البرلمانات أو الأحزاب لا هي مجرد نتيجة للانتخابات والاستفتاءات، وإنما تصنعها سلطات جديدة تتحكم بمصير العالم، تتمثل في الشركات العملاقة والإمبراطوريات الاقتصادية والأسواق الاستراتيجية للتبادل والاتصال على مستوى الكرة الأرضية، الأمر الذي جعل البعض يقول: إن الناخب الفعلي اليوم ليس المواطن بل السوق، من هنا أصبح الأمر يتعدى الديمقراطية إلى ما بعدها، أو هناك على الأقل حاجة إلى إعادة ابتكار الديمقراطية فكراً وممارسة.
في العالم العربي، يقتصر الأمر على البيانات والإعلانات الداعية إلى الأخذ بالوصفة الديمقراطية علاجاً للأمراض السياسية المزمنة، أو هو يقتصر على ممارسات مآلها الديمقراطية نفسها، والعلة في ذلك أننا نتعامل مع الديمقراطية بطريقة دغمائية بوصفها عقيدة أو إيديولوجية، أو نمارسها بوصفها مجموعة قواعد أو قوالب جاهزة تحتاج إلى التطبيق، بحيث تقحم تصوراتنا المسبقة والضيقة على الواقع الذي ينتقم منا بإنتاج كل هذه الممارسات الاستبدادية أو التوتاليتارية، فالديمقراطية ليست مجرد صيغة تطبق، بل هي فكرة أولية تخضع للصرف والتحويل على أرض غير ما كانت عليه قبلها، بهذا المعنى كل تجربة ديمقراطية ناجحة تغير مفهومنا للديمقراطية وطريقة ممارستنا للعمل الديمقراطي.
أي إن الأمر يحتاج إلى ابتكار صيغة جديدة، بالاشتغال على مختلف التجارب والمعطيات السياسية، بما فيها بالطبع الصيغة الديمقراطية، نحن في عصر جديد وعالم متغير، فلا بد من ابتكار صيغة جديدة ومغايرة للفعل التاريخي وللعمل السياسي بالتجديد، وقد تكون الديمقراطية أو المديوقراطية أو التواصلية.. فالعقل السياسي هو الآن على المحك..
* إذا حاولنا إعادة ترتيب أوراق الساحة الثقافية والفكرية في العالم العربي، فما هي الألويات التي تحظى باهتمامكم؟ بمعنى آخر: ما هي أولويات المثقف العربي؟
** بعد سقوط النظريات الشمولية والمشاريع الطوباوية التي ألهمت المثقفين في الفكر والسعي نحو التحرر والتقدم والمساواة، أرى أن مهمة المثقف هي أن يعيد النظر بنماذجه في الرؤية والتقييم والتصنيف . فلا يمكن أن يحصل ما حصل من انهيار في القيم والأحلام والأفكار بينما واحدنا يتشبث بمفاهيمه ومواقفه، بل عليه أن يعيد التفكير في كل البداهات والثوابت إذا أراد أن يفسر ما آل إليه وضعه من الضعف والهشاشة.
هناك فعلاً هزال معرفي ووجودي يعاني منه المثقف اليوم، فهو بعد كل هذا السعي إلى تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي والحضاري، تفاجئه التغيرات بما لم يكن يتوقع ومن حيث لا يحتسب كما تؤول به إلى تهميش دوره وفقدانه المصداقية والفاعلية.
ولا مهرب له إزاء هذا الهزل من أن ينتقد كل ما كان يفكر فيه ويقوله أو يفعله وعليه إذا أراد الخروج من عجزه وقصوره أن يخضع للنقد ، بشكل خاص تعامله مع ذاته وكيفية ممارسته لدوره، فالعالم يصنع اليوم بطريقة مختلفة إنه لم يعد كما كان عليه من قبل، إن من حيث قواه وتشكلاته، أو من حيث منطقه ونظام عمله أو من حيث قيمه وأفكاره ونماذجه، لقد انهارت أنظمة وسقطت إيديولوجيات وانطوت مراحل الأمر الذي يدعو المثقف إلى ابتداع صيغة جديدة لعلاقته بذاته وفكره، تمكنه من ممارسة فاعليته في محيطه ومجتمعه وعالمه، والمثقف هو فاعل فكري في المقام الأول، بما يخلقه من المناخات الفكرية أو بما يثيره من الإشكاليات النظرية، أو بما يبتكره من الأدوات المفهومية والصياغات العقلانية.
هذه المهمة تتطلب وضع المقولات المتداولة في الخطاب الثقافي موضع النقد والفحص وأعني بها مقولات الحرية والديمقراطية والهوية والوحدة والعقلانية والحداثة، وخصوصاً مفهوم النخبة، وذلك من أجل تفكيك الأوهام التي تستوطن الذهن وتمنع أهل الفكر من التفكير بصورة خلاقة مثمرة.
أخلص من ذلك إلى القول: فيما يخصني ككاتب انخرط في السجال العمومي وأهتم بقضايا الساعة، لم أعد أمارس علاقتي بذاتي بوصفي أنتمي إلى النخبة التي تقود الأمة والمجتمع، بل أعتبر أنني أنتمي إلى قطاع من قطاعات المجتمع هو القطاع الثقافي، وعليّ أن أكون فاعلاً في هذا القطاع بالدرجة الأولى، بحيث أعمل على تكوين وسط مفهومي أو تشكيل مساحة معرفية أو ابتكار شكل من أشكال العقلنة للمعلومات والممارسات أو للسياسات والسلطات. بهذا المعنى فأنا لست قائداً للأمة، كما يتوهم أدوارهم بعض المثقفين، بل وسيط فكري لا غنى عنه بين الدولة والمجتمع، أو بين المعنى والقوة أو بين السلطة والحرية أو بين الشهوة الحقيقة.
* من الأمور المطروحة على الساحة العربية علاقة المثقف بالسلطة السياسية، كيف تنظرون إلى هذه العلاقة؟
** إن علاقة المثقف بالسلطة السياسية تقدم مثالاً على فقدانه الفاعلية والتأثير، والحال فإن هذه العلاقة كانت في مجملها سلبية عميقة وأحياناً مدمرة خصوصاً في العالم العربي حيث تعاطى المثقف الدولة والسياسة والمجتمع بمنطق إيديولوجي مغلق، أو بعقل طوباوي حالم، مما دل على جهله بالعالم والواقع، بقدر ما آل إلى فشله وعزلته.
هذا بالنسبة إلى أكثرية المثقفين الذين تقوم علاقتهم بالسلطة السياسية على النفي المتبادل، والمقصود بهم كل الذين ينفون حقيقة السلطة ومشروعيتها. أما القسم الآخر من المثقفين فهم الذين التحقوا بالحكومات والدول وعملوا في خدمتها كأجهزة إيديولوجية لتزيين أفعالها أو لتبرير فشلها وهزائمها والنتيجة في الحالتين واحدة، سواء تعلق الأمر بالمثقف المناهض للسلطة أو بالمثقف السائر في ركابها : فقدان المصداقية أو الفاعلية.
وآية ذلك أن المثقف فقد فاعليته لأنه لم يعمل بخصوصيته وأقصد بالخصوصية هنا اضطلاع المثقف بدوره الخلاق في إنتاج الفكر وصناعة المعرفة.
لقد تناسى المثقف دوره هذا صارفاً جل اهتمامه إلى إقحام مقولات على الواقع بطريقة تبسيطية تعسفية ارتدت عليه فكان هو ضحيتها، أو كان المجتمع هو الضحية لدى محاولة تطبيقها.
وهكذا اكتفى المثقف الذي يمثل أهل الفكر بترويج الأفكار واستهلاكها أو بالدعوة إلى تبنيها وتطبيقها، على ما يشهد تعامله الدغمائي والأصولي أو النموذجي، مع مقولات الديمقراطية أو العقلانية أو الحداثة، بمعنى أنه لم يكن قادراً على الخلق والتوليد، خلق الأفكار وابتكار النماذج على أرض الممارسة وفي أتون التجربة.
من هنا بدا المثقف أعجز من أن يغير ما أراد تغييره في الواقع الميداني السياسي أو الاجتماعي، وجهله المركب بمهمته من جهة، وبالواقع من جهة أخرى قد أفضى إلى ممارسة الاستبداد والتعسف ولا غرابة ففي غياب الأفكار الخلاقة والأجواء الفكرية الخصبة تتخذ محاولات التغيير طابع الاستبداد من قبل الساسة وذلك حيث يطغى الأمر على العقل وتحل المصادرة محل الفكر الحي، أو تتخذ طابع التعسف من قبل المثقفين أنفسهم، وذلك حيث تجري قولبة الواقع المعقد والسيال على مقاس المقولات الضيقة والنظريات اليابسة بطريقة تؤدي إلى إنتاج عقليات فاشية أو إلى قيام أنظمة توتاليتارية..
وبالتالي إذا أراد المثقف أن يمارس فاعليته بطريقة منتجة وخلاقة من حيث علاقته بالسلطة والمجتمع فعليه أن يعمل بخصوصيته كمنتج ثقافي وفاعل فكري فهذا هو رهانه: خلق واقع فكري جديد سواء بإنتاج أفكار جديدة أو بتغيير نماذج التفكير أو بابتداع ممارسات فكرية مختلفة، أو بإعادة ابتكار القديم في ضوء التجارب وعلى أرض الممارسات، فالواقع لا يتغير ما لم تنسج معه علاقات جديدة بتغيير أفكارنا عنه أو بإعادة صياغته على مستوى الفكر أو بجعله حقلاً للإبداع الفكري.
* كيف تنظرون إلى مستقبل السلام مع اسرائيل، ومستقبلها في المنطقة؟
** المجتمع البشري أو الدولي هو ساحة للنزاع والحروب أو ميدان للتنافس والتسابق، أو مجال للتبادل والتفاعل أو بيئة للتعارف والتواصل وقد يغلب أحياناً جانب الصراع والحرب على العلاقات بين الدول والأمم وأحياناً تقف الحرب لتشتغل آليات التنافس والتسابق أو لتعمل قوى التفاعل والتبادل.
وهذا ينطبق على واقع العلاقات بين العرب و"إسرائيل" حتى الآن تغلب جانب الصراع والحرب، فإذا صح أن الحرب ستتوقف ليحل السلام، على ما يتوقع البعض ففي مناخ السلم تشتعل صراعات أخرى على مستوى الاقتصاد، وعلى مستوى الأفكار، هذا إذا توقف سباق التسلح.
وبالطبع ففي ساحة الصراع، أياً كان المستوى والمجال ولا يصمد إلا القوي القادر على الخلق والإنتاج أو على الإبداع والابتكار، فلا تجدي هنا اللغة الخلقية ولا تنفع لغة الطوابي والأيديولوجية، فعلينا أن نتحدث بلغة الحدث والوجود بحيث نساهم في صنع العالم وتغييره، بما نخلقه من الوقائع أو بما نصنعه من الحقائق.
ويتوقف مستقبل السلام على هذا الأمر أي قدرتنا على أن نمارس حضورنا على مسرح العالم، من خلال تأثيرنا في مجرى الأحداث والأفكار كما يتوقف على استعدادنا لكل شيء واحتياطنا لكل أمر، أقصد أن نحسب لكل شيء حسابه أمنياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً..
بالنسبة إلى مستقبل "إسرائيل" أرى أنها أقوى ما تكون في أوقات الحرب حيث تتمترس وتقاتل بآلتها المتطورة وهي أضعف ما تكون في أوقات السلم. إنها فعلاً تخشى السلام بينها وبين العرب، ولا تفسير عندي غير ذلك لهذه الحملة الهمجية التي شنتها على لبنان وعلى غزة! ولهذا التدمير المنهجي لعمرانه وحضارته!.. فالأمر يتعدى الرد والانتقام، كما يتعدى فرض شروطها في التفاوض، إنه الخوف من السلام، فنحن أقوى منها سلمياً، ولو توقفت الحرب وتم نزع السلاح نهائياً، وترك الأمر للسباق الاقتصادي والتفاعل الثقافي لذابت "إسرائيل" في العالم العربي
Friday, May 1, 2009
لا ديمقراطية ولا ارض لها
مجلة المصداقية السياسية
on 4:48 PM
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


















0 comments:
Post a Comment