
قامت
الثورة عام 1979 لتنتقم من عهد عبودية الشاه المهينة للغرب، ومن عداوة مجلحة للشعب ومصالحه، فقد كان همّ الشاة شراء السلاح والخرداوات الأوربية إنقاذا للمصانع الغربية، وعونا للرأسمالية كأحد شروط إببقائه وحمايته، مع حملة حاقدة على الدين فأحاط إعلامه وقصره بحزب الأذناب أذناب أو حماة ودعاة التغرب، "كما تسميهم هجائيات الإيرانيين من الوطنيين والإسلاميين واليساريين الثوار"، ولكنها سنة كل المستعمرات.
فكان الدين والكرامة الوطنية والشورى والديموقراطية والحرية والاستقلال وكراهة الغرب وعملائه وقودا للاستقلال الذي أنجح الثورة، ولهذا كانت مبررات الثورة شمولية، يستوي فيها الفقيه والشيوعي الوطني والقومي العامي والمثقف، فكل يدعي أنها ثورته، بعد أن لاحظ الجميع أن بلادهم أصبحت مكتبا للمحتلين يمتصهم يزود الغرب بالمال ويخضع الشعب، ويفسد أخلاقه ويدمير نفوس الناس بواجهة من الوطن هي عدو "الشاة"، الذي اقتنع أو أقنعوه بأن يعيد تاريخ أمجاده إلى ألفي عام، ترسيخا لعبودية مستمرة يجب أن يخضع الشعب لها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، متخيلا أنه بهذا لن يجرؤ أحد على تحدي ألفي عام من القدر المهين؟ وهذا كان اختلاقا للتاريخ ساهم في طرده.
إن انجاز الثورة وفق شروط انجازها تجعل من الصعب على أهلها أن يتخلصوا من قوانين الثورات إن كانت بهذه الصرامة، فالذين قرأوا عن قوانين الثورات كما وضعها الدارسون يدركون أهمية الثورات المتتابعة لتنقية وتصويب الثورة، ولتتخلص من قسوتها وحدتها، ومن بعض أفكارها ورجالها السابقين، وكان الرئيس جيفرسون أحد كبار الثوار في العالم تنظيرا وممارسة، قد قال إن بلاده تحتاج ثورة كل عشرين عاما، ونجد أن ثورات التحرر والديمقراطية احتاجت إلى عقول مبدعة للتنقل في مدارج الثورات ولا تدمر المكاسب.
إن خاتمي كان يمثل مرحلة وسيطة أو مقدمة للثورة الثانية، التي نرى ملامحها اليوم، وهي قادمة بالرغم من المرشد ومن المحافظين أنصار أحمدي نجاد.
الثورة الأولى قد كانت شاملة، فما الذي ينتظر الايرانيين في ثورتهم الجديدة؟ الذي يبدو أن الثورة الجديدة تحمل عناصر مهمة جدا بجانب عناصر سلبية، فالجوانب الإيجابية، تتمثل في هدم السلطة النهائية للولي الفقيه، وتهبط بإيران من سماوات القداسة الدينية والإمام المنتظر إلى دنيا الناس، وليس إلى الإمام ولا إلى ممثليه، وتنهي مبدأ قداسة نائب الإمام، بل وتتجه إلى علمانية، كلما تأخر تنفيذها كانت أصرح.
ومن الخير لهم إن أرادوا إبقاء بعض مكاسب الثورة الأولى، أن يتجهوا للحلول الوسط الآن قبل أن تأتي ثورة علمانية نهائية، تكون هي الرد الطبيعي على ما مثله الخميني من تصنيم للولي الفقيه، فإن كانت الثورة الأولى قد استبدلت معصوما أو شبه معصوم "الشاة" بالولي الفقيه، وهو شبه المعصوم، فإن الثورة الثانية سوف تختار الإنسان المادي والمصلحة المباشرة للناس، وتتخلى عن تفرد الولي الفقيه، لأن الذي زرع البذور العلمانية ضد الفقيه وضد مستقبل التدين ـ دون قصد ـ هو الخميني، لأنه أراد أن يحفظ الدين بقداسة الحاكم، وأن يحمي الشعب بقداسة الديمقراطية، هذه الطريقة، كانت تشير قطعا إلى مستقبل علماني للبلاد، لأن تنافر وضع القوة والسلطة في يد إنسان مهما كان، وتجريد الشعب من سلاح الديمقراطية، الذي يقول له إنه بيده ثم ينازعه الفقيه، الذي تلقى عليه القداسة، تعني أن عقلاء الأمة لا بد أن يجردوه منها عاجلا أو آجلا، وقد كان هذا مكسبا عظيما آنذاك، ولكنه زرع توقيته لنهايته وقت نجاحه، هذا في جانب الفكرة باختصار.
أما في جانب الشخصيات، فقد حصل الأمر المتوقع من تغير النفوس، فالشخصيات التي قادت ثورة 1979م، وكانت طموحة قاسية، أصبحت اليوم تحمل نفوسا مختلفة، روضتها الدولة وشيء من تداول السلطة والمال والقيادة، وروضها الوعي، وروضها السن وروضها انفتاحها على العالم. يستوي في ذلك المتشدد والمتساهل، أي أن رفسنجاني وموسوي وكروبي ومنتظري، بل وحتى المتصلب بسبب السلطة النهائية في يده، خامنئي، بل والمتطرفين في الانفتاح، مثل عبد الكريم سروش، كلهم تغيروا وإن لم يشعروا.
الثورة الأولى غمرتها الروح الدينية والوطنية والشعبية، حركتها الرغبة في الاستقلال من الغرب وشاته، إلى ما رأوه دينيا وشعبيا ومصلحيا، استقلالا، ولكن الخميني (وفكرة الولي الفقيه)، كان محكوما بثقافة مغروزة في الثقافة التي بثها المثقفون من اليمين واليسار والحوزات، وهي ثقافة الديمقراطية والشعب والاستقلال والحرية، ولهذا، فإن هذه الثقافة تنتقم اليوم من الجناح الذي استبد بجميع مكاسب الثورة، وسيصبح الولي الفقيه مغضوبا عليه كالشاه، لأن ثقافة الديمقراطية لا تقبل غيرها، ولم يكن في المخيلة العامة حكومة بلا شاه، فكان الخميني شاها مقدسا.
أما هذه الثورة الثانية، فهي دنيوية بلا شاة ولا فقيه، وتهتم بالعمل والطعام والشراب والانفتاح، أي تهتم بمصالح الناس، وتنتقد على أمثال نجاد شعبويته وحدته واستعدائه للعالم، وأنه يعيش ثقافة الانتقام المستمرة التي لا تستطيع مجاراة ثقافة الاستقرار الديمقراطي المطلوب للدولة.
الثورة الثانية، وإن استطاع فريق المحافظين والملالي كبتها اليوم، فهي قادمة قادمة، والثورة المقبلة إن استطاعت الحفاظ على الميراث المفيد لهم من الثورة الأولى، وتجنبت الفوضى والاضطراب، واستطاعت تنقية الجو للمزيد من المجتمع المدني الديموقراطي، فستكون مزيدا من ترسيخ الديموقراطية والخير للناس، وسوف تصنع مجتمعا أكثر وعيا وواقعية، وقد تسمح بقوة سياسية واقتصادية واسعة تلتهم جيرانها بهدوء كما تتجه تركيا، نحو هيمنة هادئة، مع مزيد الرفاه والقوة وستسير بإيران إلى تحقيق إمبراطورية مرنة تهيمن على المنطقة وتتجانس جزئيا مع الغرب، وستواجه صراعا مع تركيا على مناطق النفوذ والأسواق والمستعمرات التي تخضع لنظم هشة وغير ديمقراطية، وقد يعهد إليها أن تحرس بعض مصالح الغرب ومصالحها.
إن الثقافة النفعية "البراجماتية" التي ينفذها الملالي ويسرونها عن أنفسهم وعن الناس، ستصبح سياسة معلنة محبوبة ومقبولة من الغالبية، فإن حكومة الملالي كانت نفعية فيما يتعلق بالعراق وأفغانستان، ومالأت أمريكا في الاحتلال، لأنها تراه يجنبها الصدمات والحرب المباشرة، ويحل أولياءها في موقع القرار في العراق والتأثير في أفغانستان؛ حكومة الثورة القادمة لن تسرّ مصالحها، بل ستكون النفعية سياسة البلاد، وتترك المقاومة الإسلامية في مواقع كثيرة وتلتفت للداخل.
الثورة القادمة، إن هدأت وحققت طموحات التوجهات الجديدة في إيران، فسوف تصنع مجتمعا آخر في المنطقة، وثقافة متأثرة بها كما كان للثورة الأولى، وستعطي نوعا جديدا من الثقافة والثورة الناعمة التي تنجح في جعل رغبات الشعب في قلب السياسة، وهنا يحدث ما يسمى في تاريخ المجمعات بالثورة الهادئة الدائمة، حيث يؤثر الناس في صياغة نظام الحكم وقبول قرار السلطة بسبب شعورهم بتمثيله لهم حتى ولو خادعهم، لأنه بإمكانهم تصحيح الوضع دائما، وهذه سنة الثورات التي استقرت وحصدت الرضا والتقدم والتغيير في فرنسا أو أمريكا وبريطانيا، ومثل التطور الديمقراطي في الهند، ومثل الانقلاب الناعم في الصين، انقلاب أو ثورة "بينج" السرية، حين قلب هو وفريقه النظام، عقيدة وممارسة، دون أن يشعر أكثر من مليار، ولم يهتز لها العالم رغم حدوثها بسبب دهاء قيادتها وهدوئها.
ولهذا، فقد يكون مستقبل مصلحة البلاد في انسياب حركة التغيير والتخلص من التغيير القاسي الشمولي لتكون الثورة معتدلة وواقعية وأقل شمولية من ثورة متأخرة.
أما في حال فشل التغيير الهادئ قريبا، فإن الثورة الثانية ستصبح أصعب وأقسى وأكثر جذرية. الخطر الذي ينتظر الثورة القادمة هو وضوحها، و وضوح الصراع بين الأطراف، إلى الآن يبدو أن الثورة القادمة استمرار للأولى، ولكن تأخر الثورة القادمة سينتج عقائد ونظما وممارسات جانبية ضد النظام، وسيدخل عليها شوائب كبيرة بسبب الحاجة لها، وتزيد العواطف، وسيحاول قادة الثورة الثانية ومثقفوها وجمهورها صناعة ثقافة مضادة هي غالبا أبعد عن المتدينين، وأبعد عن ثقافة الشعارات القادمة، أقل اهتماما بالقضايا الإسلامية في العالم، وإذا قادها رؤوس فكرية ناقمة من ثقافة وممارسة الملالي فستجعل المجتمع في حال فتنة وانتقام داخلي واضطراب مستمر، لأنها ستعطي للعملاء مكانا، وتعطي للناقمين حجة، والغالب أن نجد الملالي المتجددون يتقدمون صفوف الثورة الثانية.
وهنا أشير هنا إلى عامل مهم وزغل كبير يجتاح قلوب وعقول وعلاقات مجتمع الثورة الثانية، وهذا العامل حقيقي وليس وهميا، فقد أنشأت المخابرات الأمريكية ومنذ أقل من عقدين منظمة خاصة بالشباب حول العالم، هذه المنظمة تستخدم شباب ذوي ميول متغربة تظهر الليبرالية وتقوم على تثوير المجتمعات لصالح الغرب، وتربيهم على استخدام الإعلام الجديد، وعلى أساليب إشاعة الاضطراب،
وتدمير أسس السلطات المغضوب عليها، وقد كان أول نجاح لهذا التنظيم في صربيا، ثم نجح في أوكرانيا ثم نجح في جورجيا، وهذا التنظيم لا تكاد تخلو منه دولة في الحكومات أو المجتمعات المهمة لأمريكا، ويحظى بحماية تأييد غير معلن، وأمريكا جادة في صناعته وحمايته، لاستثماره وقت الحاجة في أي بلد وإن كان من مستعمراتها، ويسارع بعضهم لاخفائها بحجة عقلية المؤامرة، ولكنه تنظيم نفّذ وافتخر بانجازه، وقد تكون المادة المكتوبة عن هذا التنظيم إلى الآن قليلة ـ أو أن ما أعرفه قليل ـ ولكنه عمل كبير ناشئ وفعال وقد أثبت جدواه، وليس هناك وضوح لنجاح هذا التنظيم في إيران بالرغم من كل ما نراه، ولا يمكن تجيير كل عمل الانترنت الهائل لهذا التنظيم، وقد لا يكون قرار الرئيس الأمريكي بإيقاف الإصلاحات على موقع تويتر حتى تنتهي مشكلة الانتخابات في إيران جزءا من هذا العمل، وتجربة أثر الاعلام الجديد في توجيه مستقبل السياسة في العالم مهم جدا، وسوف نجد سباقا محموما في العالم عليه وفي إيران قبل انجاز الثورة الثانية.
ختاما، فالغالب أنه لا يمكن إعاقة الثورة القادمة إلا بحكمة عظيمة، وتمازج بين الرؤية الجديدة والقديمة، يصعب إنجازها في هذا الجو، وكلما تأخرت المبادرة، فقد ينتصر المحافظون الآن، ولكن انتصارهم سيصنع الموقف المضاد، وكلما قسى الحاكمون على مخالفيهم، فإنهم يساهمون في نضج وإنجاز الثورة الثانية، وفي صناعة ثقافة معادية لكثير من مبادئ الثورة الأولى، فتموت بعض ثقافتها، وتدخل بلاد فارس عالما جديدا، يعتز به صانعوه، ويمتع من يراقبه، ويشقي من يعانيه
Tuesday, June 23, 2009
دكتور محمد الاحمرى ايران والثورة الثانية
مجلة المصداقية السياسية
on 4:51 PM
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


















0 comments:
Post a Comment