Wednesday, July 1, 2009

عادل حمودة ،،،،،طباخين الوريث وبملح الفقر والتفليس

فى
وقت الجد.. لا يختبئ الكاتب الحقيقي تحت اللحاف.. خوفا من البرد.. والظلام.. والقوي المضادة للحقيقة.. ولا ينتظر رحيل العاصفة حتي يخرج إلي البحر.. ويصطاد السمك.. أو يصطاد كلماته.
ونحن في وقت جد.. نشعر بتوتر مكتوم إزاء مستقبل غير معلوم.. وتأتي لنا من بعيد رائحة"طبخة"تجهز بعيدا في الكواليس الحساسة.. لا نعرف هل نستسيغها أم نرفضها؟.. وتتوقع الغريزة السياسية حدوث مفاجأة"عليا"خلال الستة أشهر المقبلة.. مفاجأة ترسم خارطة طريق تحدد صورة السلطة القادمة.. وهي صورة غائمة.. غير واضحة.
إن ما يطفو علي السطح يشير إلي حدوث تفاعلات مثيرة تحته.. تتقاتل فيها قوي شد.. وقوي جذب.. وتغطيها سحب كثيفة من الغموض.. تضاعف من التخمينات.. والتخيلات.. والتصورات.. وأيضا.. التخوفات. لقد طرحت مرة أخري علي ما يبدو فكرة أن يكون عمر سليمان نائبا للرئيس.. حاميا.. وداعما.. ومساندا لجمال مبارك الذي تسعي مجموعته في السلطة إلي تمهيد الطرق المختلفة له.. وسفلتتها.. وتسوية مطباتها.. لضمان وصوله إلي الحكم في الوقت المناسب.. مهما فرضت الأقدار من صعوبات واحتمالات ومفاجآت.

وعمر سليمان شخص يلقي احتراما من الجميع.. وهو موضع ثقة الرئيس.. وينتمي إلي المؤسسة العسكرية.. ويرأس جهاز المخابرات العامة المطلع علي كل الأسرار والخبايا بكل ما فيها من سلطة المعلومات.. لكنه.. لم يتغير.. ولم يفقد صبره وهدوءه وتواضعه.. كما أنه مرحب به من فئات وطبقات الشعب المختلفة.. بجانب أنه مسئول عن غالبية ملفات السياسة الخارجية.. وعلاقاته الإقليمية والدولية جيدة.. ولم تثر حوله ما يشوه الصورة.. أو يلقي بظلال عليها.. ثم والأهم أنه قانع بما وصل إليه.

وقد رشحته قوي علي الانترنت ليكون رئيسا قادما وصاغت علي مواقع مختلفة شعار :"لا جمال ولا الإخوان وإنما عمر سليمان".. لكن.. أمانة الرجل واستقامته أبقته في دائرة الثقة المطلقة مهما كانت المراهنات والترشيحات التي تبدو في النهاية سيناريوهات حسنة النية للخروج من أزمة الغموض الذي يلف مستقبل السلطة في مصر.

فحسب قواعد الترشيح للرئاسة ليس من حق عمر سليمان أن يكون مرشحا للحزب الوطني فهو ليس عضوا في الهيئة العليا للحزب التي تختار المرشحين.. ويصعب تصور أن يرشح نفسه مستقلا عن الحزب.. ولو حدث ذلك ــ وهو احتمال بعيد ــ فإن عليه الحصول علي تزكية 65 عضوا في مجلس الشعب و25 عضوا في مجلس الشوري و140 عضوا في المجالس المحلية عن عشر محافظات.. وهو أمر ليس صعبا.. وإنما الصعب أنه ساعتها سينافس مرشحا آخر من الحزب.. تجري بينهما الانتخابات.. وهو أمر مستبعد تماما.. ومن ثم فإن اختيار عمر سليمان لمنصب نائب الرئيس لا يشكل خطورة علي جمال مبارك لو رشح نفسه.. فقد انتهت آلية أن يصبح نائب الرئيس رئيساً.

وأغلب الظن أن هناك من يحاول استغلال اللحظة العاطفية الحزينة التي يعيشها الرئيس بعد وفاة حفيده لوضع ترتيبات الخلافة بما يتيح لجمال مبارك فرصة أكبر ليكون مرشح الحزب الوطني للرئاسة القادمة.. لو لم يرشح الرئيس نفسه.. وهو ما عكسه الخبر الذي نشرته جريدة الشروق الأسبوع الماضي.. عن توقعات باجتماع المكتب السياسي لترشيحه.. وبدا أنه جري تسريب الخبر بطريقة ما للصحيفة من جهات لم تفصح عن نفسها.. وفي الوقت نفسه سارع رموز الحرس القديم وعلي رأسهم صفوت الشريف.. الأمين العام.. والدكتور زكريا عزمي الأمين المساعد للشئون المالية والإدارية بنفيه والتأكيد أن تسمية مرشح الحزب الوطني للرئاسة أمر سابق لأوانه.. لكن.. ذلك لا ينفي إمكانية استخدام الخبر بالونة اختبار يمكن بها قياس ردود الأفعال وحسابها وتغيير الخطط أو المضي فيها.

إن مثل هذا الاستغلال ــ للحظة العاطفية ــ حدث بصورة ما قبل سفر الرئيس لإجراء جراحة العمود الفقري في ألمانيا.. بأن جري نزع صفوت الشريف من موقعه المميز في وزارة الإعلام.. ليتخلصوا من شخصية مؤثرة في صناعة القرار.. ولكن.. في اللحظات الأخيرة امتدت يد الرئيس إليه لإنقاذه.. وأصبح رئيسا لمجلس الشوري.. وهو منصب مثل النيشان.. له قيمة.. لكن.. ليس له فاعلية .. إلا أن صفوت الشريف بخبرته وحنكته نجح في أن يرفع من تأثيره.. ونجح أيضا في أن يكون الأمين العام للحزب الوطني في ظل ضغوط القوي الجديدة في الحزب التي حاولت إقصاءه بعد أن نجحت في إبعاد كمال الشاذلي من أمانة التنظيم ووضعه في المجالس القومية المتخصصة.. وبرز دور البديل وصانع الخطط السرية في الحزب.. أحمد عز.

إن أحمد عز عقلية لا يستهان بها.. حفرت أنفاقا تحت الأرض في انتظار اللحظة المناسبة كي يخرج ومن معه إلي السطح حاملا في يده كأس التفوق والسيطرة وتحقيق ما يخطط له.. وإن كان الثمن مؤلما.. تزايد مساحة الكراهية له.

وقد نجح في الامتحان السهل.. الانتخابات الرئاسية.. فلم يكن مبارك في حاجة إلي خدماته في تلك الانتخابات.. لكن.. أحمد عز فشل في الامتحان الصعب.. الانتخابات البرلمانية.. فقد أتاح عجزه عن تقدير قوة الإخوان المسلمين وصول ثمانية وثمانين منهم إلي مجلس الشعب.. انضم إليهم باقي نواب المعارضة في كتلة تصويت مضاد.. ولولا أن استعان الرئيس بصفوت الشريف في المراحل الأخيرة من الانتخابات لفقد الحزب الوطني أكثر من ثلث مقاعد المجلس وأصبح من الصعب عليه تمرير كل ما يشاء من تشريعات.. وبنجاح صفوت الشريف في مهمته عاد إلي المربع الأول.. واستمر تأثيره كما كان.. ولكن.. وسط رغبات مكبوتة من الجيل الجديد في الحزب بإزاحة كل من ينتمي للحرس القديم بصلة بدا أن عليه الانتباه جيدا.

واعتمدت المجموعة الجديدة في الحزب خطة للتغيير بالتنقيط والتقسيط كي تجعل جمال مبارك حقيقة سياسية قائمة يصعب تجاهلها.. وسعت جاهدة لمضاعفة نفوذه.. وتوسيعه.. بجانب تهيئة الفرصة له ليكون البديل القادم للرئيس في الوقت المناسب الذي يتقرر فيه ذلك.

لقد كانت البداية في تغيير القواعد الإجرائية والقانونية.. وأولها تعديل الدستور ليكون اختيار الرئيس بالانتخاب لا بالاستفتاء.. وهو ما يتيح لجمال مبارك ترشيح نفسه للرئاسة لو اختاره الحزب الوطني لهذه المهمة في الوقت المناسب.. ويلغي شبهة التوريث التي لاتزال المعارضة تصر عليها وتطارده بها.

ولم يقتصر تعديل الدستور علي ذلك وإنما امتد إلي تحجيم الإشراف القضائي علي الانتخابات.. وإضافة رئيس الوزراء إلي رئيس مجلس الشعب لتولي منصب الرئيس مؤقتا في حالة وجود مانع ما يحرمه من ممارسة مهامه.. وهو ما يعني وجود شخصين ــ لا شخص واحد ــ يمكن من خلالهما نقل السلطة الرئاسية إلي البديل برفق وحماس.. فلو لم يكن رئيس مجلس الشعب فليكن رئيس مجلس الوزراء.

وفي الوقت نفسه تولي أحمد عز مهمة تشكيل جيش من أعضاء الحزب قوامه ــ علي حد قولهم ــ نحو ثلاثة ملايين عضو ينتمون إليه.. ويسيطر عليهم بالتليفونات المحمولة الموزعة علي قياداتهم الوسطي في أربعة أنحاء البلاد.. وجاهزون لمنح أصواتهم للمرشح الذي يأمر به أمين التنظيم.. دون أن ينسوا مهمتهم الأخري.. التصدي للقوي المعارضة إذا لزم الأمر.. وهنا لابد من الاعتراف بدأب أحمد عز.. ونفسه الطويل.. وتخطيطه البعيد.. واستخدام إمكانياته العقلية والمالية في السيطرة بينما بقيت قوي المعارضة جالسة علي الرصيف تصرخ.. وتحتج.. وتشمأنط.. ولا تستعد ليوم المشاركة في الانتخابات الرئاسية إلا من باب التمثيل الشكلي.. أو التمثيل الصوتي.

وامتدت سيطرة أحمد عز من بطن الحزب إلي نواب الحزب في مجلس الشعب.. وكانت ثروته وقدرته علي العمل ساعات طويلة في اليوم في خدمة ما يستهدف دائما.

ووضعت خطة أخري طويلة الأجل لتسكين رجال البديل القادم المختار في المواقع المدنية الهامة.. البنوك.. الصحافة.. الجامعات.. الشركات.. وروعي في الاختيار الكفاءة أحيانا.. والولاء غالبا.. والسن المناسب في كل الأحوال.

ثم كان انقلاب الحكومة باختيار"كبشة"وزراء.. رجال أعمال.. بدأ الانقلاب باختيار اثنين هما أحمد المغربي (السياحة) ورشيد محمد رشيد (الصناعة والتجارة) ثم توسع الانقلاب ليبقي علي رشيد محمد رشيد في مكانه وينقل أحمد المغربي إلي الإسكان والمرافق والمجتمعات الجديدة ويضيف محمد منصور للنقل وحاتم الجبل للصحة وأنس الفقي للإعلام وزهير جرانة للسياحة.. ومنذ اللحظة الأولي بدا أن هؤلاء علي علاقة قوية بجمال مبارك.. ومساندون له.. ورغم نجاح البعض وفشل البعض الآخر فإن الحكومة التي رأسها أحمد نظيف وصفت بحكومة البيزنس.. وحدد الوصف إلي أي طبقات تنحاز الجماعة الجديدة.

وأغلب الظن أن اختيار أحمد نظيف ــ التكنوقراطي القادم من تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات المتطورة ــ كان وراءه تصور سهولة السيطرة عليه.. وسهولة توجيه سياساته وقراراته بالريموت كنترول.. ليكون مجرد خيال مآتة.. ولكن.. فات فريق"التجديد"أن المنصب الوزاري في مصر له سحره وجاذبيته وقوته التي تحول المصاب بالأنيميا السياسية إلي شخص يتفجر بالصحة والعافية وبفعل فيتامينات البيروقراطية التي تنفخ في صورة الضعيف.. ليصبح سوبرمان وكان قد دب الصراع بين الذين أتوا به وتوسموا فيه الطاعة وبينه.. فسعوا للتخلص منه.. وفتح رجالهم (أو جيوبهم) في الصحافة الحكومية النار عليه.. لكن.. بقي مسنودا ومدعوما من الرئيس نفسه.. وهو ما أخرج أنيابه وأظافره.

وفي صراع البحث عن البديل القادم لرئيس الحكومة بدأت حروب خفية عند مستوي أقل بين رشيد محمد رشيد وأحمد المغربي وانتقل حماس جمال مبارك علي ما يبدو من الأول للثاني الذي ـــ ظهر معه في برنامج جمال عنايت علي شبكة أوربيت في اليوم التالي لفضيحة الرشوة التي ضبطتها الرقابة الإدارية في وزارة الإسكان ــ ومن ثم ارتفعت اسهمه مؤخرا.. وإن عادت أسهم خصمه للصعود من جديد بعد آخر استقبال للرئيس له في منتصف الأسبوع الماضي.

إن السلطة إدمان أشد من الهيروين وقد نال ذلك الإدمان من أحمد المغربي.. لقد كان رافضا دخول الوزارة أول مرة.. وكان يري أنها ستقضي علي خصوصية التمتع بحياته الشخصية.. بل أغلق تليفونه كي لا يعثروا عليه.. وعندما اتصلت به سكرتارية الرئيس كان ذلك عبر تليفون سائقه.. لكن.. ذلك تغير تماما.. فقد أصبح في حاجة إلي جرعة أكبر.. ومنصب أعلي.

وحسب خطة المحدثين في الحزب الوطني فإن رئيس الحكومة يجب أن يكون واحدا منهم أو علي الأقل ينفذ تعليماتهم وكذلك يجب أن يكون رئيس مجلس الشعب القادم.. وهو سبب من الأسباب الخفية لسعيهم الدءوب وراء حل المجلس الحالي.

إن الرغبة العارمة في حل المجلس ليس سببها ما أعلن من مبررات وإنما الخوف من ظهور مرشح مستقل ينجح في الحصول علي مباركة ما يحتاجه النص الدستوري من أعضاء للترشيح من المجالس الثلاثة.. فليس من الصعب في ظل المجلس الحالي بحجم المعارضة التي فيه توفير 65 عضوا وكذلك الحال بالنسبة للمجالس المحلية ويمكن التصرف في الرقم المطلوب من الشوري.. ومن ثم يجب القضاء علي توافر هذه الفرصة لمرشح مستقل من خارج الهيئات العليا للأحزاب.. وهي فرصة قد تتيح للإخوان مساندته ودعمه ودفعه للفوز.. لكن.. ما هو مبرر الخوف من ظهور ذلك النوع من المرشحين والمجلس الحالي سوف ينهي أعماله قبل الانتخابات الرئاسية؟.

والإجابة الوحيدة المقبولة هنا هي الخوف من ظروف قدرية طارئة قد تعجل بالانتخابات الرئاسية قبل نهاية المجلس الحالي.. فلا يمكن ــ في رأيهم ــ ترك ثغرة دون سدها.

وبسد الثغرات تلاشت فرص ترشيح شخصيات عامة تلقي هوي لدي الناس.. مثل عمرو موسي.. ومحمد البرادعي.. وعمر سليمان.. وهي اسماء طرحت بالفعل وجري الحديث عنها في هذا الشأن.. ومن ثم انحصرت المنافسة في الانتخابات الرئاسية القادمة بين مرشح الحزب الوطني ومرشحي الأحزاب الأخري من أعضاء هيئاتها العليا وهم في الغالب لا يملكون ما يملكه الحزب الوطني من إمكانيات وتسهيلات ومن ثم تنعدم فرصهم للفوز أو الهزيمة المشرفة.

وهو ما يجعل المسئولين عن جمال مبارك ــ في حالة اختياره مرشحا للحزب الوطني ــ يتصرفون وكأن مصر لم تنجب من ينافسه.. إن الأرض المصرية قادرة دائما علي أن تحبل بعشرات الشخصيات المناسبة في كل مجال.. فقد أنجبت سعد زغلول ومصطفي النحاس وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك.. وغيرهم.. خرجوا جميعا من رحم مصر كما تخرج أزهار القطن في الدلتا.. أي أنهم محصول مصر الحضاري وعصارة عقلها وقلبها.. ومن الخطأ الفادح أن نتصور أن رحم مصر سيتوقف عن الحمل والولادة بعد انتهاء موسم القطن.

لقد كنت أتمني أن تكون المنافسة عريضة بين جمال مبارك ومن يشاء أن يطرح نفسه علي الرأي العام.. لكن.. الذين يرسمون ويخططون له يحشرونه في خانة ضيقة وكأنهم يخشون عليه من عدم الفوز.

إن حركة التاريخ تفرض مبدأ التعسف في صناعة الحكم.. فليس مهما أن تصل إلي السلطة.. المهم أن تعرف كيف تحافظ عليها.. بالبحث عن شرعية مناسبة.. وقوي اجتماعية مساندة.. ورسالة سياسية سامية.. وإيمان يقترب من اليقين بأن الفرد مهما كان يأتي بعد الوطن.. فقد غاب سعد زغلول وجمال عبد الناصر ولم تتغير خريطة مصر ولم ينحرف النيل عن مجراه.. فالعبقرية نهر لا يتوقف عن الجريان.

هل تتوافر هذه الشروط في جمال مبارك؟.. الحديث طال.. والإجابة يمكن أن تنتظر إلي الأسبوع القادم.

المناخ العام في مصر لايدعو إلي احترام أي قيمة أو أي فرد ويرجع ذلك إلي اتساع دائرة الفقر وانتشار الفساد الذي لم يترك مجالا أو مستوي والاثراء غير المشروع وانتقال الملكية العامة التي هي ملك للشعب كله إلي حفنة من الافراد وازدياد حدة البطالة التي قوضت طموحات وآمال شبابنا واحالتهم اجباريا إلي المعاش المبكر والتجاهل الحكومي الكامل والمتعمد لمشاكل الفقراء والبسطاء.

0 comments:

Post a Comment