بمناسبة
صدور قرار البرلمان الأوروبي باعتبار الحادي عشر من يوليو ذكرى سنوية لتكريم ضحايا مذابح سربينيتشا على أيدي القوات الصربية في مثل هذا التاريخ من عام 1995م،
وبمناسبة الإعتداء الغاشم في يوم الأربعاء الأول من يوليو 2009م على أخت من أخواتنا في قاعة محكمة بمدينة درسدن بألمانيا حتى رفعت شهيدة عند الله بإذن الله تعالى بثمان عشر طعنة من مجرم ألماني ووقوعها وزوجها ضحية للدعاية الإعلامية ضد المسلمين والتي صنعت من كل أسمر أو مسلم صورة بشعة لا تقابل إلا بالعنف في أقصى صوره كتأكيد للثمرة الفاسدة للإعلام الموجه ضد المسلمين وبحسب ما نشرت صفحات الانترنت على لسان المجني عليه أن الشرطي أطلق عليه النار عن عمد وليس على سبيل الخطأ ظنا منه أن كل أسمر إرهابي وهو ما تروج له وسائل إعلامية منذ زمن ليس بالقصير
والذي جاء من تداعيات ذلك الموقف وفي فورة الخبر حالات خوف حقيقي بين الأجانب المقيمين في ألمانيا خاصة المسلمات المحتجبات منهن خوفا على حياتهن وإن كان الحادث فردي لكن لبشاعة الجرم ومكانه وملابساته أثر في رسم الزعر في نفوس المحجبات، وشعور المرأة أن المجني عليها استهدفت كرها لقطعة قماش ولم تقف تداعيات هذه الجريمة إلى حد النساء بل على الأطفال أيضا فمما وصلني أن أمَّا أرادت تخرج في صحبة ابنها الذي لم يتم عامه السادس بعد فاكتشفت أن الولد يحمل في جيبه سكينة مائدة للدفاع عن أمه متى لزم الأمر والتي سارعت بأخذها من جيبه ولطمت خدها رعباً مما وصل إليه حال ابنها من الخوف والرعب من فقد أمه.
مع هاتين المناسبتين وتداعيات القلق الناجم عن الحادث المروع في قاعة القضاء الذي كان من المؤمل أن ينصف فيه المظلوم ويحتقر فيه الظالم جراء ما اقترف من جناية آثمة وتعد على حرمات وحقوق بشر لهم ما له من الحقوق وعليهم ما عليه من الواجبات بحق عقد المواطنة الذي أعلن الجاني تحدية لكل القيم والقوانين ونجح في إحداث فوضى غير مسبوقة فقدت فيها الشهيدة حياتها الدنيوية ويُتِّم طفلها ورحل إلى مصر مخليا أباه يصارع الموت في المستشفى
مع تداعيات الحادث والمناسبة التي أطلقها البرلمان توارد في الذهن معان وحِكَم سامية للتشريع الإلهي الحكيم، لاتخاذه اجراءات وتدابير كافية تمنع التفكير في الجريمة فضلا عن ارتكابها، كثير منها يلقيه الإسلام في روع الإنسان مع مراحل التربية الأولى، غارسا في النفس بشاعة الجريمة والإنحراف، ما يجعلنا نعتز به كمسلمين، ونقول بكل يقين إن العالم سيلجأ إلى التشريع الإسلامي لا محالة ساعة إفلاس تشريعاته عن منع الجريمة قبل وقوعها، وسيكتشف القانونيون ـ حتى من غير المسلمين ـ مع التجارب قوة ومتانة ذلك التشريع الرباني، لكن ما أمر وأقسى هذه التجارب على الضحايا من المساكين من أبناء البشرية الحائرة! إن العالم لم يعرف حقوق الإنسان بشكلها الحالي إلا بعد إزهاق أنفس بالملايين في حروبه الطاحنة، ولم يعرف حق الأسير حتى امتهن الإنسان كرامة أخيه الإنسان في حين تكلم الأسلام وقنن أساليبا عظيمة للمن والفداء وكف الأذى سابقا البشرية بمئات السنين بل أزيد.
المعنى الأول
أن الإسلام أعطى للحياة قيمة عظيمة أرشد أن لا يصرف جزءٌ منها إلا في المفيد النافع وأن الله تعالى سائل عباده عن ساعات أعمارهم فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" [سنن الترمذي: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه باب في القيامة حديث:2400وقال قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]
المعنى الثاني
أن الحياة ليست ملك لأحد إنما هي ملك لله تعالى لا ينتزعها إلا بأجل مقدر عنده لا ينازعه سبحانه فيه أحد حتى إن الإنسان لا يملك حياة نفسه وهي أمانة لا ينبغي أن يضيعها ولا يجوز إنهاؤها بالانتحار أو غيره وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وحذر من العبث والاقتراب منها على وجه الإفساد "لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا" [صحيح البخاري: كتاب الديات: باب قول الله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم]قال ابن عمر رضي الله عنهما: " إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" [صحيح البخاري: كتاب الديات: باب قول الله تعالى "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم"]
المعنى الثالث:
حرمة دم الغير ولو لم يكن إنسانا ولخطورة القتل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن : " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ" [متفق عليه] فالله تعالى حرم قتل النفس وشدد أعنف تشديد في عقوبتة الأخروية،فقتل النفس التي حرم الله قتلها من أكبر الكبائر بعد الكفر بالله ، لأنه اعتداء على صنع الله ، واعتداء على الجماعة والمجتمع ، قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْل إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [سورة الإسراء:]
وبين أن القتل سبب مفض للنار فَقَال تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } .[سورة النساء: 93 ]
وقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيل : وَمَا هُنَّ يَا رَسُول اللَّهِ ؟ قَال : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْل النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْل الرِّبَا ، وَأَكْل مَال الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ " [متفق عليه]. و" لزوال الدنيا جميعا أهون على الله من دم سفك بغير حق" [شعب الإيمان للبيهقي: باب في تحريم النفوس والجنايات: حديث:5094]
وجعل مضاعفة العذاب والمهانة جزاء لمن يقتل أي نفس بشرية بغير حق، وهم بحال أشد ما يكون العباد فيه محتاجينن للرحمة يوم القيامة {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (70)" [سورة الفرقان: 68ـ70] فـ " لزوال الدنيا جميعا أهون على الله من دم سفك بغير حق" [شعب الإيمان للبيهقي: باب في تحريم النفوس والجنايات: حديث:5094]
وجعل جزاء الآمر بالقتل والمكتري عليه لا يقل بل يزيد عن جزاء المباشر له فقد سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَاتِلِ وَالْآمِرِ قَالَ: "قُسِّمَتْ النَّارُ سَبْعِينَ جُزْءًا فَلِلْآمِرِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ وَلِلْقَاتِلِ جُزْءٌ وَحَسْبُهُ" [رواه الإمام أحمد في مسنده حديث:22483والبيهقي في شعب الإيمان باب في تحريم النفوس والجنايات]
وأكد الله تعالى أن الاعتداء على النفس الواحدة اعتداء على الجماعة البشرية كلها { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} فأعظم وزر الاعتداء وأعظم ثواب الإحياء وجعله كمن أحيا النفس بتخليصها من المهلكات كالحرق والغرق والجوع المفرط والحر والبرد المفرطين فكأنما أحيا الناس جميعا في الأجر والثواب أيضا.
قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر: جعل قتل النفس الواحدة كقتل جميع الناس مبالغة في تعظيم أمر القتل الظلم وتفخيما لشأنه : أي كما أن قتل جميع الناس أمر عظيم القبح عند كل أحد فكذلك قتل الواحد يجب أن يكون كذلك ، ... فالناس لو علموا من إنسان أنه يريد قتلهم جدوا في دفعه وقتله ، فكذا يلزمهم إذا علموا من إنسان أنه يريد قتل آخر ظلما أن يجدوا في دفعه ، وأيضا من فعل قتلا ظلما رجح داعية الشر والشهوة والغضب على داعية الطاعة ، ومن هو كذلك يكون بحيث لو نازعه كل إنسان في مطلوبه وقدر على قتله قتله ، ونية المؤمن في الخيرات خير من عمله كما ورد ، فكذلك نيته في الشر شر من عمله ، فمن قتل إنسانا ظلما فكأنما قتل جميع الناس بهذا الاعتبار .اهـ
و الإسلام صاحب الشريعة المحكمة أوجب بهذه التدابير نصرة المظلوم والدفاع عنه ولعن من شهد مقتله ولم يدفع عنه فعن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقفن أحدكم موقفا يُقْتَل فيه رجلٌ ظلما ، فإن اللعنة تنزل على من حضر حين لم يدفعوا عنه ، ولا يقفن أحد منكم موقفا يضرب فيه أحد ظلما ، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه " [المعجم الكبير للطبراني حديث:11467]
وما شرعه الإسلام من حرمة قتل الإنسان يجري على الحيوان إلا أن يكون ضارا أوصائلا يهدد حياة الإنسان فحرم التسلي واللعب المفضي إلى تعذيب الحيوان أو موته "مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنْ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" [صحيح مسلم كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان: باب النهي عن صبر البهائم]
المعنى الرّابع :
هو ذلك الجزاء العادل الرادع المترتيب على حرمة التعدي على الأنفس البشرية أو حتى عضو منها لا تنتهي الحياة باتلافة وهو القصاص : فيفعل بالجاني مثل ما فعلعقوبة مقدرة وجبت حقا للمجني عليه أو أوليائه. والقصاص قائم على بشاعة الجناية وردع كل من تسول له نفسه تكرارذلك مرة قادمة ليحيى الناس في أمان { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 178،179] وبين أن القصاص حق لأولياء المقتول فقال تعالى: {وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [سورة الإسراء : 33]
وجعل القصاص في الأنفس منسحبا حكمه على كل عضو لا تنتهي الحياة باتلافة لأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص ، فكان كالنفس في وجوب القصاص{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [سورة المائدة:45]
هذا غير ما ينتظر القاتل في الآخرة من سوء مصير مالم يندم ويتب، حتى أن الله تعالى جعل لمن سن في الجنس البشري سنة القتل نصيبا في كل دم يراق ظلما "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" [متفق عليه]
ولا يتصور إنسان أن القصاص الشرعي أمرا بشعا فإلى عهد قريب كان جزاء السارق في أوربا القتل جزاء سرقته وجنايته في حدود سلب الناس أموالهم فما بالك بمن يسلبهم حياتهم.
وجعل البديل عن القتل حال عفو أولياء الدم هي الدية حتى في حال القتل الخطأ والدية من ثقلها التي لا تثقل كاهل القاتل فقط بل تجب على كل أهله وأسماهم "عاقلة" لأن من واجبهم أن يعقلوا صاحبهم عن الفساد كما يعقل صاحب الحيوان بهيمته بالحبل ليمنع أذاها. فيشترك العاقلة في دفع مائة ناقة على أوصاف معينة لأهل القتيل، وذلك تدبير محكم من الله تعالى يجعل الأهل يتعاونوا على منع المفسد منهم بدلا من التمالئ على قتل الناس وسفك دمائهم، والعالقة في صورتها الحقيقة لا مانع من أن تكون الدولة الراعية للمواطنين والحاضنة لهم والتي تكفلهم في الطعام والشراب مما يحفظ الحياة أصلا، فلا بد وأن تكون مسئولة عن جناية رعاياها فتتحمل شرعا دية الجناة منهم فأودى النبي صلى الله عليه وسلم جنايات مسلمين ارتكبوها على سبيل الخطأ كما جعل للجنين دية فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها" [صحيح البخاري كتاب الديات باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد]
وشرع القصاص من المتعدي حق للمتعدى عليه ولو كان التعدي على وجه الأصلاح ما لم يقع من أهل التخصص "قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا لَا تَلُدُّونِي قَالَ فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي قَالَ قُلْنَا كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبْقَى " [صحيح البخاري كتاب الديات: باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم]فعل النبي صلى الله عليه وآله سلم ذلك عُقوبَةً لهم لأنهم لَدُّوه بغير إذنه. واللد معناه مد لسان المريض إلى أحد شقي الفم وصب الدواء في الشق الآخر للفم رغما عن المريض.
ومثل هذه التشريعات الربانية وهذا الترغيب في إحياء النفس والترهيب من قتلها لو تربى عليه مجتمع تجعلهم أقرب وأسهل الناس وألينهم عريكة مراقبين في كل لحظة غضب اطلاع الله عليهم فلا يتعدى أحدهم حده إلا وهو مقر بجرمه نادم على فعله وما إن توعز له نفسه بالتشفي والانتقام إلا رده دينه أو قومه أول الناس علما بمقصوده خوفا من عقاب الله تعالى ونار جهنم أو تكلف الدية على أقل تقدير في العقوبة فينضبط تصرف الناس طوعا لذلك. وينكرون الجرائم ويكرهونها.
المعنى الخامس :
ضعف التشريع الوضعي من ناحية أنه منح فرصا يتذرع بها الجناة لينالوا البراءة أو لتخفف لهم العقوبات إلى حد التلاشي في كثير من الأحيان.
من ذلك أن قانون العقوبات الوضعي سمح لمحامي الجاني أن يبرر الجريمة بأسباب نفسية بشهادات ما أسهل استخراجها من أي طبيب نفسي، فما من مجرم يرتكب جنايته إلا وهو يعاني خللا تربويا وفراغا روحيا يجعله بكل بساطه في مصاف المرضى النفسيين في حين أن المريض النفسي يتجنب لسع النار إذا أشعلها، محافظا على نفسه أن ينالها أذى أو يمسها سوء وإذا هانت عليه نفس فإن أول نفسٍ تهون عنده نفسه هو لا أنفس الآخرين، وفي حين أن المرضى النفسيين الحقيقيين في غالب حالهم لا يؤذون فضلا عن كونهم لا يجرمون وهذا ثابت بالملاحظة لمجانين في الطرقات يضايقهم صبيان كل بلد وسفهاؤها ولم يحاولوا الاعتداء عليهم ولو لمرة واحدة، وذاكرة الجميع تجاه تصرفات المعاقين ذهنيا والمجانين شاهدة بذلك
ثم منح القانون الوضعي فرصة سهلة جدا جدا للتخلص من تحمل جريرة أي جناية وهي السُكْر وغياب العقل به مع انه عمل اختياري يعرف السِّكِير معه تماما إلى أي حد يغيب وعيه مع كل جرعة يتجرعها
فيغيب الجاني عن وعيه بإرادته ثم لا يؤاخذ على جناية يقترفها وساد هذا المفهوم حتى أن أحدهم قال لي أنا أستطيع أن أرتكب أي جناية ثم أشرب زجاجة خمر وكأن شيئا لم يكن؛
في حين أن التشريع الإسلامي آخذ الجاني وعاقبه على جنايته التي اقترفها حال سُكْره ردعا له ولغيره حتى لو كان ذلك تصرفا شرعيا مسموحا به حال العقل كطلاق زوجته أو تبرعه باعتاق عبده .
وفي الحقيقة مثل هذه التشريعات التي يتدرع به الجناة وتدفع بها هيئات الدفاع في المحاكم ممن لاضمير لهم ممن يعلمون أن موكلهم يداه ملوثة بدماء بريئة ثم يأخذون لا مبالين بالدفاع عنه بمثل هذه الطعون القانونية والتي هي من وضع بشري كثيرا ما عاش مقننوها ينظرون للقضية من وجهة نظر الجاني فقط وينسى المجني عليه الذي هو غالبا ما يكون الضحية ؛ وأنا أتصور أن أي إنسان يضع نفسه في حالة الضحية يرضى دون تردد بهذه الأحكام الربانية ويعلم أنها من لدن لطيف خبير حكيم عليم سبحانه وتعالى
المعنى السادس :
أن الإيمان باليوم الآخر يجعلنا موقنين أن من أفلت من عقاب الدنيا لن يفلت من عقاب الآخرة في يوم يختم فيه على فم الظالم ويقال فيه للمظلوم تقدم خذ مظلمتك لذا فلا يفوتنا أن ندعو لضحايا سربينيتشا ولـ "مروة الشربيني" شهيدة الحجاب كما أطلق عليها في مصر أن يتقبلهم الله في الصالحين وأن ينزلهم منازل الصديقين ويرفع درجاتهم في عليين وأن يغفر لهم ويرحمهم ويخلفهم في أولادهم وذرياتهم وينتقم لهم من الظالمين
Friday, July 10, 2009
الشيخ اسماعيل رفقت ،،،شهيدة الحجاب وذكرى ضحايا سربينيتشا
مجلة المصداقية السياسية
on 5:22 PM
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


















0 comments:
Post a Comment