أظن أن الجميع ولست وحدي لم يصابوا بالدهشة من ذلك الذي حدث في مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر، والتى انقلبت من لعبة إلي حالة من العلاقات المتوترة بين مصر والجزائر بل والسودان على المستويين الرسمي والشعبي. والذين يحاولون ان يؤكدوا ان اختزال الجزائر في أحد عشر لاعبا ، يكشفون بتلك المحاولة على ان شعب الجزائر قد اصبح شديد الهمجية، أما الجزائر التاريخية التى ولت فتبقى ذلك الشعب العربي العظيم الذي قدم المليون شهيد من أجل حريته، وضرب أبناؤه أروع أمثلة البطولة والتحدي في الكفاح من أجل الاستقلال وفي الكفاح الثقافي من أجل التعريب.وليس ما يحدث الان من ملايين البلطجية والملوحين بالاسلحة البيضاء سوى التاكيد على ان الجزائر تلك قد غرقت فى غياهب التاريخ ،والغريب أنه في شهر نوفمبر هذا تحل الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاق جبهة التحرير الوطني عام 1954 التي تمكنت بمساعدة مصر وحدها دون وجود اى دولة عربية اخرى وبعد ثلاث سنوات من طرح قضية الشعب الجزائري في الأمم المتحدة، ثم أعلنت بعد ذلك بعام واحد عن قيام حكومتها المؤقتة. وخلال المفاوضات مع الفرنسيين ألقى فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة في وجوه الفرنسيين بعبارته الشهيرة: "أفضل أن نصبح عشرة ملايين من الجثث على أن نكون عشرة ملايين فرنسي". في تلك السنوات البعيدة كانت الإذاعة المصرية لا تتوقف عن بث أنباء الثوار الجزائريين، وقامت مصر بتقديم الدعم لهم معنويا وماديا، بل وكانت القاهرة محطة للمفاوضات التمهيدية لتحرر الجزائر. وسمعنا أيامها أسماء أبطال عظام مثل أحمد بن بيلا، وجميلة بوحريد، وغيرهما، وكانت النفوس مشحونة في مصر كلها بحب الجزائر وتأييدها. وفي عام 1958 كنت أتابع الأخبار من الإذاعة، وشملتني غمرة الحماسة المصرية للشعب الجزائري البطل، واعتبرت نفسي وأنا في العاشرة من عمري كاتبا ، فسودت ورقتين لا أذكر ماذا كان بهما وقلت لأخواتي: مسرحية عن الجزائر. وأجبرت أخواتي على القيام بالأدوار التمثيلية في صالة البيت كلما ساق القدر إلي بيتنا أحد أقاربنا، فيجلس مستمعا إلي صياحنا وزعيقنا ثم يهنئنا منصرفا ويتوب بعدها عن زيارتنا. إلي هذه الدرجة قامت مصر بدورها فى شحن نفوس الجزائرين بحب الحرية.ونظامهم السياسى الحالى يشحنهم بحب الهمجية، وفى عام 1962 انتزعت الجزائر استقلالها بعدما قدمت اليها مصر الالاف من الشهداء فى العدوان الثلاثى الذى اشتركت فية فرنسا بسبب الموقف المصرى ، وجاء أحمد بن بيلا إلي القاهرة، وكان موكبه محاطا بالالآف من المصريين البسطاء. تلك كانت الجزائر التي أعرفها، الجزائر التي قدمت أبناءها دون حساب من أجل كرامتها وتحررها، وهذه هي الجزائر التي أحس أن قلبي عامر بحبها. ولم يكن ليخطر لي أبدا، انها ستتحول الى التامر على انتهاك وضرب اخوانهم المصريين فى الخرطوم ، بعدما شحن النظام الجزائرى مليشياتة الهمج او مايعرفون بالحاطست والمجرمين ، بعدما جعلهم يتصورون أن الجزائر قد اصبحت فقط فريق كرة قدم يستغلة النظام الحاكم ! فيشحن النفوس بكل ذلك التعصب والكراهية والتوتر، ولطخ تاريخا طويلا وعريقا سجل فيه المبدعون المصريون موقفهم من الجزائر حين أخرج يوسف شاهين فيلمه "جميلة بوحريد" وحين كتب صلاح جاهين قصيدته الرائعة عن جميلة، وغير ذلك كثير. ولنتذكر الآن الأيام السابقة على مباراة مصر والجزائر في القاهرة ، لنتذكر كيف كانت شاشات التلفزيون الجزائرى تعرض لشباب يتقدمون كأنهم في حرب، ويصرخون "الخضر"، لا يصرخون "شجع المنتخب الحزائرى" لكن "شجع الخضر ضد اليهود المصريين"، كأن فرقة كرة القدم هي الجزائر. أليس هذا أيضا اختزالا لحجم الجزائر ام تقرير واقع ؟. لقد قام المحرضون فى الجزائر وجريدة الشروق ورئيس تحريرها المتعاون صهيونيا مع الاعلام الاسرائيلى بشحن النفوس إلي أقصى درجة بالصور المستفزة والمفبركة والادعاءات الباطلة، بحيث أصبح مجرد سقوط زجاجة من على سطح منضدة كفيلا بصور مزيفة لتوابيت وموتى مزيفين، فما بالك بأهداف تدخل المرمى!. المسئول الأول عما حدث في تقديري هو السلطة السياسية والاعلام الجزائرىوالذي تصرف دون أدني قدر من المسئولية، فجعل من لعبة كرة القدم حدثا تحريضيا، وجعلنا نعرف حقيقة النظام السياسى الجزائرى الهش الساعى من أجل الانتصار والفوز كأن ذلك غاية المراد. أظن أن على المثقفين أن يبذلوا أقصى جهد لوقف تلك المهزلة الجزائرية، وقد أصدرت مجموعة من المثقفين الجزائريين المرموقين بيانا بديعا بهذا الصدد بعنوان "لا للشوفينية"، كما حذر اتحاد كتاب مصر من الانسياق إلي مخططات خارجية ترمي لتخريب العلاقات بين مصر والجزائر.



















0 comments:
Post a Comment