Wednesday, November 25, 2009

اذا كان هؤلاء يمثلون الضمير الإنساني،،،،،،فوزية رشيد




حين نتحدث عن مواصفة كمواصفة "المثقف" المشتقة من مجمل معاني الثقافة، متعددة الاتجاهات والمعطيات، فإن المثقف قد يكون أديبا او كاتبا او صحفيا او سياسيا او غيرها من التخصصات، طالما كان ملما بحركة المجتمع وحركة الواقع وحركة التاريخ والثقافات، وطالما هو يسعى من منطلق واضح نحو التطوير والارتقاء بواقعه والواقع الانساني بشكل عام، في جدلية فائقة بين الذات والفكر والمجتمع، فإن لم يكن قد خرج من الاطار التعريفي للذات المثقفة.

{ واذا بلغ المثقف - ايا يكن مجاله - درجة من الحساسية والشفافية تجاه ذاته سواء على المستوى القيمي (من القيم) او على المستوى الأخلاقي، او على المستوى الانساني، وتمكن من تشذيب ذاته واناه، ليصعد بذاته العليا نحو مدارجها الانسانية الراقية، صلح ان يكون ضميرا لشعبه ولأمته بل للإنسانية كلها، وهذا تحديدا ما ينقص الكثير من المثقفين في المجالات المتنوعة وعلى رأسهم السياسيون تحديدا، رغم طائل ادعاءاتهم بالسعي إلى الارتقاء بمجتمعهم، حيث يكثر بينهم الادعاء والعمل وفق الآفاق الحزبية الضيقة من جهة، وحيث يتم التفكير في الوطن وفي الوطنية كمضمار للوصول اكثر مما يتم التفكير فيهما كمضمار للعطاء المجرد من الحسابات الضيقة من جهة اخرى.

{ ينطبق هذا على كل المجالات بقدر ما ينطبق على المجال السياسي، ولكي نقرب الصورة قليلا نأخذ بعض النماذج وخاصة بما يعنينا في الوطن العربي:

- ما ان يصل شخص الى كرسي الرئاسة في الاطار الديمقراطي (الذي يكون إما شكليا وإما متلاعبا به غالبا) حتى يتشبث الواصل بالكرسي، وينسى معها مبادئ تداول الرئاسة وخاصة في الاطر الجمهورية، بل يتلاعب بالدستور لتمديد رئاسته، بل وفكر في مبدأ (التوريث) بكل ما يتناقض مع الاسس الدستورية في بلده، كما نرى في نماذج عديدة، فهل هو نموذج يمثل ضمير شعبه مثلا؟

- تلعب الحاشية المحيطة بالحكام عادة، لعبتها الخبيثة إما للبقاء في المكان الذي تم اختيار عناصرها فيه كالوزارات وغيرها، وإما السعي الى الانتقال الى مراكز توفر ذات الامتيازات، ناهيك عن تخدير الحكام بوصاياهم او بوجهات نظرهم الفاسدة، لتكون الحكومات في اغلبها منفصلة عن ارض الواقع الذي يعيشه المحكومون، ناهيك ايضا عن الفساد المالي والفساد الاداري بكل ما في جعبتهما كعنوانين من تداعيات كثيرة، ناهيك عن الاضرار في كثير من الاحيان، بالثوابت الوطنية والتضحية بها على مذبح المصالح الخاصة وغيرها. فأي ضمير شعبي او انساني يمثل هؤلاء؟

- "بعض" السياسيين في اطار الاحزاب الوطنية او ما تم التعارف عليه بالمعارضة، يضع الحزب والايديولوجيا فوق المصلحة الحقيقية للوطن، على الرغم من ادعاءات العمل من اجلها، ويخلق انماطا من الازمات الداخلية لا سعيا الى التغيير الحقيقي، وانما لتكريس الذوات المنتفخة بالادعاءات، فيما العين على الوطن باعتباره قطعة فيها، مما يخل بالعمل الوطني المشترك، ويؤسس لخلق الصراعات الحزبية الضيقة، وكبت الاصوات الحقيقية وتهميشها، حيث تصبح الاحزاب مجرد صورة كربونية مشوهة للحكومات التي تسعى الى تغييرها في بلدها، عاكسة ذات النمط من الاستبداد الاداري و(السلطوي)، وذات النمط من الدكتاتورية، وذات الحسابات المصلحية الضيقة، فإذا ما صعد بعض نماذجها الى السلطة في الاطر الجمهورية او الديمقراطية الليبرالية او غيرهما مثلا، كرر النمطية الفاسدة ذاتها و(كأنك يا زيد لا رحت ولا جيت)، فعن اي ضمير يعبر هؤلاء؟

- بعض المثقفين في الاطار الفكري والثقافي البحت بمعنى العلاقة بالكلمة او الفكر التحليلي الناقد، يصاب بنمط مختلف من الانفصامات الذاتية والمجتمعية، بحيث يعتقد هذا البعض نفسه محتكرا للحقيقة وللوعي بالمجتمع وبالتاريخ وبالحضارة وبالتطور البشري، فيقدم آراءه في صيغة (الجمود المتطرف) ليكرر على المجتمع افكاره المعلبة، من دون المساس بنبض الواقع وحركة العالم وتغير الافكار، ويسهم في الحفاظ على الجمود الفكري في النظر الى الحياة والبشر، والى التاريخ والاديان والى السياسة، في الوقت الذي يعتقد فيه انه يسهم في اطار ايديولوجيته في نفض الغبار عما يسميه حركة التاريخ، متجاهلا التطورات والتغيرات في كل الاطر المعرفية والعلمية والاطر الاخرى، وحيث لا موقع للضمير هنا سلبا او ايجابا.

- تتصاعد بين الفينة والاخرى اصوات الحضرة الليبرالية الجديدة في المجتمعات العربية، منادية بالتمثل بالنموذج الغربي الراسخ في الفؤاد بكل علاته، مأزوما تجاه ذاته وهويته ودينه وواقعه، شاحنا ذاته بوهم التبشير بـ (التنوير) فيما هو يدعو الى ظلامية جديدة تحت غطاء "الحداثة المبهمة"، واكثر نماذجها يدخل في صلح سيكولوجي مع اعداء وطنه وامته زاعما البحث عن السلام والتسامح والمحبة، متناسيا الخلل ومتجاهلا الجذر في القضايا ذات الصبغة والصيغة العدائيتين كسبب موقف الشعوب العربية من اسرائيل وامريكا ودول الهيمنة الغربية مثلا.. والسؤال: أين موقع الضمير هنا؟

- بعض القائمين على المجال الاعلامي العربي، تسود بينهم سطوة التسطيح الفكري لشعوبهم، مقدمين خدمة محسوبة او مجانية الى اعداء شعوبهم تلك، مسهمين بدأب في تردي الوعي العام.. ضمير هؤلاء التجارة وحدها التي تبرر كل شيء.

{ هذه مجرد نماذج منتقاة للعاملين في مجالات مختلفة، منخرطين في الاطر الثقافية الفكرية البحتة او السياسية او الاعلامية (بعيدين تماما عن ان يشكلوا ضميرا حيا لشعوبهم)، او ان يشكلوا ادوات تغيير فعلية، حيث يغلب البهرج على المضمون، وحيث تتطاول الذات الخاصة على الذات المجتمعية وحيث يسكن الفساد الفكري والثقافي ناهيك عن الاخلاقي وغيره في دواخلهم، ليعلوا على الوطن ذاته وعلى الحسّ الانساني السليم لمن نصب نفسه في منصب اتخاذ القرار او التأثير فيه.




Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment