Wednesday, November 18, 2009

التسيس الكروى ،،،،،بقلم فهمى هويدى



الحدثان وقعا في أسبوع واحد. يوم الخميس 12/11 زار الرئيس مبارك منتخب مصر الوطني إسهاما منه في مساندته وتشجيعه. ويوم الثلاثاء الذي سبقه (10/11) زار الرئيس أوباما قاعدة «فورت هود» العسكرية في ولاية تكساس. للاشتراك في تكريم ضحايا المذبحة التي قتل فيها 13 عسكريا. هذا التزامن الذي صنعته المصادفة أغراني بالمقارنة، وأثار لدي السؤال التالي: لماذا قطع الرئيس مبارك شواغله لكي يزور فريق كرة القدم ويحضر تدريباته، في حين لم نجده حاضرا في مناسبات أخرى مهمة هزت مصر وصدمت الرأي العام فيها، وكلها تتجاوز بكثير فاجعة القاعدة العسكرية التي استدعت حضور الرئيس الأمريكي وتأجيل بدء رحلته الآسيوية؟

لست أشك في أن زيارة الرئيس لمنتخب مصر لفتة طيبة رفعت معنويات الفريق، لكنني لا أستطيع أن أنسى أن الشعب المصري كان يستحق لفتة مماثلة تعبر عن المواساة وتطييب الخاطر عندما حلت به كوارث عدة مازالت محفورة في الذاكرة، ومبللة صفحاتها بدماء مئات الضحايا المصريين الذين سقطوا جراء الإهمال والفساد الذي تتحمل السلطات المصرية جنبا من المسؤولية عنهما. أذكر من تلك الأحزان على سبيل المثال حادث احتراق قطار الصعيد عام 2002، الذي قتل فيه 373 مصريا، وحريق قصر ثقافة بني سويف عام 2005 الذي قتل فيه 50 شخصا وجريمة العبارة المشئومة التي وقعت في عام 2006 وغرق فيها 1300 شخص، وحادث اصطدام قطار الصعيد هذا العام الذي قتل فيه 18 مواطنا. وهي الحوادث التي قرأنا في الصحف أن الرئيس تابعها «هاتفيا»، وأصدر تعليماته باتخاذ اللازم إزاءها.

صحيح أن الرئيس ذهب بنفسه لمعاينة الحريق الكبير الذي أتى على مبنى مجلس الشورى قبل 15 شهرا، لكن ذلك لا يغير شيئا من الانطباع الذي ذكرته، لأن المبنى منسوب إلى السلطة بأكثر من نسبته إلى المجتمع. لا تفوتني أيضا ملاحظة أن الرئيس لا يكف عن تفقد المشروعات الكبيرة بين الحين والآخر، في جولات تتعدد اجتهادات المحللين في قراءتها وتفسيرها. وبعضهم يعتبر ذلك الحضور تكذيبا عمليا للشائعات التي تتردد على ألسنة الناس بخصوص حالته الصحية وقدرته على القيام بمهامه. لكن ذلك الحضور يتحقق في محيط غير الذي أتحدث عنه، إذ يدور في فلك مسؤوليات الحكم وحساباته، في حين أن الذي يعنيني في المقارنة التي نحن بصددها هو مؤشرات التواصل الإنساني والتعاطف المباشر مع مشاعر الجماهير، احتراما للرأي العام الذي كان تصرف الرئيس أوباما واعيا بأهميته.

لا أجادل في أن زيارة الرئيس للمنتخب القومي جاءت انعكاسا لحماس الشارع المصري الذي تمت تعبئته بصورة مبالغ فيها، حتى تصور البعض أن مكانة مصر ومستقبلها ومصيرها، ذلك كله بات معلقا في رقاب لاعبي المنتخب (أقدامهم إن شئت الدقة!). وإذ أكتب هذا الكلام قبل موعد المباراة لأسباب تتعلق بمواعيد الطبع، فإنني لا أخفي حماسا لفوز الفريق المصري. لكنى أزعم أن ذلك الفوز إن تحقق فإن أثره لن يتجاوز الفرحة العابرة، لأنه يعطي شعورا زائفا بالنصر. وإذا لم يتحقق فإن ذلك لن يكون صدمة، وسيظل أثره في حدود الأسف العابر، الذي يسقط من الذاكرة في اليوم التالي.

في تفسير زيارة المنتخب واللوثة التي أصابت مختلف شرائح المجتمع في مصر قلت إن تلك «الصرعة» تعبر عن الشوق لتحقيق أي إنجاز، حتى وإن كان وهميا. وهذا سلوك مفهوم لدى اليائسين والمحبطين. وفي زمن عمت فيه الانتكاسات وعزت الانتصارات، لم يبق أمام هؤلاء إلا أن يراهنوا على الانتصار في مباراة لكرة القدم وأن يزايدوا على بعضهم البعض في التعلق بذلك الأمل.

أحد الأصدقاء عرض تفسيرا آخر، ذكَّرني فيه بما حدث في عهد الملك فاروق، حين أدرك أنه أصبح محلا للسخط والرفض من جانب المصريين، فاقترح عليه بعض الناصحين أن يتودد إلى الناس من خلال حضور الحفل الشهري للسيدة أم كلثوم التي كانت في أوج مجدها، وإهدائها وسام «الكمال» في الحفل. إذ ارتأوا أن ذلك سيؤدي إلى تحسين صورته واكتسابه نصيبا من الحفاوة والمشاعر الدافئة التي تحيط بأم كلثوم في حفلات ذلك الزمان. وبعد أن روى القصة سألني صاحبي عما إذا كانت زيارة الرئيس للمنتخب القومي تحمل نفس الدلالة أم لا، فلم أستطع الإجابة، وفضلت أن أسجل القصة لكي يستخرج منها القارئ الخلاصة المناسبة.




Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment