Tuesday, December 22, 2009

اصحاب المناطق الدافئة وعشق السلطة ،،،،،محمد دياب




متابعة انتخابات نقابة الصحافيين المصريين عن قرب، أو بمعنى أصح متابعتها المباشرة، غير المراقبة عن بعد، فالمتابعة المباشرة تخف فيها ألوان وأهواء الوسيط الناقل، أو المصدر المعتمد. لقد اتسمت المعركة الانتخابية بالحيوية، بل بالسخونة الشديدة. وكان ذلك واضحا للعيان. سواء في طبيعة المعركة أو في النتائج التي تمخضت عنها. ففي الجولة الأولى تعادل المرشح الحكومي مع مرشح تيار الاستقلال والتغيير، حيث كان الفارق بينهما أربعة وثلاثين صوتا فقط، وفضلا عن هذا التعادل كانا متناقضَين في كل شيء: في العمر، وفي التوجه، وفي طريقة التفكير، وانعكس هذا على مسيرة ومسار الجولة الثانية، حيث زادت سخونة واشتعالا. فمكرم محمد أحمد الأكبر سنا والمخضرم والتقليدي، ينافس ضياء رشوان الأصغر والمحسوب على جيل آخر بفارق عُمري يقترب من ثلاثة عقود. الأول مارس العمل الصحفي منذ الخمسينات، بكل درجاته ومستوياته داخل مؤسسة “الأهرام”، إلى أن انتقل رئيسا لتحرير مجلة “المصور”، ثم رئيسا لمجلس إدارة دار الهلال. ومارس العمل النقابي أكثر من مرة. أي أنه من شيوخ المهنة ومن قدامى النقابيين. انفعالي ومنفلت لفظيا، عكس منافسه، الذي دخل العمل الصحفي من باب البحث والدراسات الرصينة. وهو كباحث مجتهد، يزن كلماته بميزان الموضوعية والجدية المعروفة في مجاله، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في صحيفة “الأهرام”.
مكرم محمد أحمد قريب من أهل الحكم، وهو مثلهم، مع إبقاء الوضع على ما هو عليه. وضياء رشوان يقف على الشاطئ الآخر، ضمن تيار يقوى ويتنامى بين المصريين، ووجد نفسه طرفا في حراك سياسي واجتماعي، بدأ يقلب ميزان القوى الداخلي رأسا على عقب. ومن ناحية التوجه فالأول يجد راحته في أحضان الحكم، يحارب بسيفه وينال بعضا من ذهبه. واختار لنفسه مكانا بين المطبعين، ولا تقلقه العلاقة الآثمة بين أهل الحكم والدولة الصهيونية. وشاءت الظروف أن يكون محل جدل، بسبب الملابسات التي أحاطت بموت البطل الشاب سليمان خاطر، الذي وجد مشنوقا ومعلقا في سقف زنزانته، وقالت التقارير الرسمية إن الشاب أقدم على الانتحار! وكان الثاني على النقيض، منحازا للتغيير، واحتل مكانة متميزة بين قواه وأنصاره.
وقد استهتر الشيخ المخضرم والنقابي العتيد بمنافسه الأصغر سنا، الأكثر مرونة وانفتاحا، وقلل من شأنه، وتعامل معه بلغة افتقدت اللباقة واللياقة، غطت على وقار الشيخ وحكمته. انفعاله دائم، ووعيده مستمر وتهديده لا ينقطع..
والتعادل غير المتوقع بين المتنافسَين أقلق أهل الحكم، وأحدث صدمة بينهم، فاستنفروا كل قواهم لوقف التقدم الممكن لمرشح يرفع شعار الاستقلال والتغيير إلى موقع نقيب الصحافيين. وهم لا يكرهون في الدنيا أكثر من تعبيري التغيير والاستقلال، وهما من التعبيرات المشطوبة من القاموس الرسمي. وبالنسبة للتيار العام فهما من التعبيرات التي تمثل أساسا لبرامج جادة تهدد وجود ذلك الحكم الآيل للسقوط، ويعنيان بالنسبة للصحافيين الارتقاء بالمهنة وتطويرها، وحماية الصحافيين، ورفع مستوى كفاءتهم وأدائهم ومعاشهم، ووضع جدول عادل ومنصف للأجور، ومواجهة نهج الرشاوى الموسمية التي تقدمها الحكومة لدعم مرشحيها، والتصدي للقيود التشريعية والقانونية التي تسمح بكسر الأقلام وإغلاق الصحف، وإلغاء الحبس في قضايا الرأي. ومطلبا الاستقلال والتغيير لم يعودا قاصرين على جيل دون غيره. لقد أصبحا مطلبا عاما اجتمعت عليه الأجيال الصحفية. وكان من الطبيعي أن يقف المرشح الحكومي وأنصاره في مواجهته، وتصويره على أنه ثورة لإزاحة شيوخ المهنة وإبعادهم عن النقابة، وخطر على مصالحهم، واستعادوا تجربتهم مع النقيب السابق جلال عارف، حيث تحولت النقابة في عصره إلى مظلة للقوى الوطنية وبؤرة من بؤر الحراك السياسي، فاهتزت منظومة الاستبداد والفساد والتبعية والتجويع.
وقد أبلى الصحافيون بلاء حسنا، وهم ينتزعون الحق في إبداء الرأي، والحق في الاحتجاج والإضراب والعصيان، وتأثرت بذلك الحياة النقابية والسياسية. وكان مقر النقابة ودرجات سلمها ومدخلها منصات ومواقع لإعلان المطالب والمواقف. وشكلت نقابة الصحافيين ونادي القضاة ونقابة المحامين مثلثا، عرف بمثلث الرعب والردع. رغم القبضة الأمنية القاتلة. وإحاطة هذا المثلث دوما بقوات الأمن المركزي وفرق الكاراتيه البوليسية والبلطجة الحكومية. ولم يهدأ هذا المثلث إلا بعد هزيمة تيار الاستقلال في نادي القضاة، ووصول مكرم محمد أحمد إلى موقع نقيب الصحفيين، وجاءت الانتخابات الأخيرة لنقابة المحامين ونصبت نقيبا حكوميا، لا تشعر معه أنه يعي معنى المسؤولية، حتى أنه سمح بحرق العلم الجزائري أمام مقر نقابة المحامين. وأن تعود نقابة الصحافيين إلى ما كانت عليه يعني عودة الحراك إلى مثلث الرعب والردع، وهو شيء لن يسمح به أهل الحكم، فالسنتان القادمتان ستشهدان انتخابات تشريعية ورئاسية. قد لا يكون التزوير وتزييف إرادة الناخبين، عن طريق التدخل الأمني والبلطجة الحزبية التي يديرها الحزب الوطني والرشاوى، أمرا سهلا،.
وهذا هو سر الهلع الذي أدى إلى استنفار الجهود وطلب النجدة من أهل الحكم، وبعد أن كانوا قد اطمأنوا إلى أن مكرم محمد أحمد قادر وحده على هزيمة ضياء رشوان، ثبت لهم أنه تهديد حقيقي، ولأول مرة تلتقي أهداف ورغبات صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى ورئيس المجلس الأعلى للصحافة، مع أهداف ورغبات جمال مبارك، فصدرت التعليمات لرؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف الحكومية، وأصحاب صحف مستقلة أعضاء في مجلس الشورى، فمارسوا أقصى ضغط على صحافييهم. وأصدر حسني مبارك أوامره لوزارتي المالية والإسكان لتقديم كل المساعدات والرشاوى الممكنة لدعم المرشح الحكومي. وتحولت المنافسة خلال اسبوع الإعادة من منافسة بين شخصين إلى معركة غير متكافئة، بين دولة متجبرة وشخص لا يملك إلا موقفه وصلابة مؤيديه، وكنت قد تحفظت من زمن على المعنى الحالي للدولة المصرية، فالدولة التي كانت واستقرت في أذهان الناس لمئات السنين انتهت، وداسها رجال الأعمال، وتحولت على يد مبارك الابن إلى شركة يديرها لحسابه، وعندما أشير للدولة فبهذا المعنى التجاري الفردي العائلي البوليسي. والدولة هذه هي التي قررت الدخول بكل نفوذها واستبدادها وفسادها، وبما تملك من قدرة على الترغيب والترهيب. دخلت سافرة إلى جانب المرشح الحكومي، وتسيست المعركة بدخول الدولة في مواجهة ضياء رشوان وتيار الاستقلال والتغيير، ووجدها أصحاب صحف صغيرة فرصة تقديم عربون ينفعهم في ترويض وابتزاز الصحافيين الذين يعملون لديهم، ويتقاضون أجورا ضئيلة، اعتمادا على المساعدة المقدمة من المجلس الأعلى للصحافة، ويتعاملون معهم بنظام السخرة.
وتكاد تكون مصر البلد الوحيد التي يحصل فيه كبار صحافيي الحكومة على دخول تقدر بالملايين سنويا، ولهم زملاء يعملون بالسخرة في صحف خاصة، ويرتاح أهل الحكم لهذا الوضع، الذي يمكنهم من التحكم وتبرير تقديم الرشاوى للصحافيين، فيسهل ابتزازهم وشق صفوفهم. وأعلنت الحرب النفسية والمعنوية ضد ضياء رشوان، وتحولت ميزاته إلى نقائص، وتمت شيطنته. وأصبح معنى أن يكون باحثا مختصا ومهتما بالجماعات الإسلامية، في نظر هؤلاء، أنه من الإخوان المسلمين، المستخدمين من جانب أهل الحكم كفزاعة لترهيب الصحافيين وابتزاز المثقفين، وهم أول من يعلم أن الوزن التصويتي للإسلاميين في نقابة الصحافيين محدود للغاية، أقل من 5% من الأعضاء المقيدين. والغريب أنه في الوقت الذي اتهم فيه ضياء رشوان بأنه إخواني أشاعوا بأنه ملحد، واستقرت الشيطنة في النهاية على أن رشوان سيتيح الفرصة أمام الإخوان المسلمين للتسلل والسيطرة على نقابة الصحافيين. مع أنه أعلن أثناء الحملة الانتخابية أنه ناصري وقومي عربي. وانهال الترغيب الحكومي على هيئة تسهيلات في الإسكان واعتمادات لزيادة البدل الصحفي وغيره، ونجح صفوت الشريف في إقناع حسني مبارك بالتخلي عن العناد تجاه صحافيي جريدة “الشعب” المصادرة منذ تسع سنوات، وهو عناد لم يفلح إثنا عشر حكما قضائيا لصالح عودة الصحيفة في إثنائه عنه، كل هذا جاء تعزيزا للمرشح الحكومي، والتخلي عن العناد يحدث لأول مرة حسب علمي. وصُرفت مستحقات صحافيي “الشعب” وتوزعوا في صحف حكومية، وهي الانفراجة الوحيدة التي جاءت بها الانتخابات..
وإن كانت لنا ملاحظة نبديها على إدارة المعركة الانتخابية. هي أنه على الرغم من أن أنصار ضياء رشوان كانوا على مستوى إنساني وأخلاقي محترم، واستخدموا في حملتهم لغة المودة، التي تليق بهم وبزملائهم وبالتيار الذي يعبرون عنه، كان العكس تماما من طرف المرشح الحكومي وأنصاره. تدنوا بلغتهم إلى أقصى درجة، وكان على مرشح الاستقلال والتغيير ومؤيديه أن يتطرقوا للتطبيع، المدان بقرار الجمعية العمومية للصحافيين، وتعرية أهل الحكم ورؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير في الصحف الحكومية، في مساهمتم في تثبيت وتأمين المشروع الصهيوني وضمان بقاء دولته على حساب الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في فلسطين. وبين هؤلاء يقف المرشح الحكومي، وكان لهذه الورقة تأثيرها في عدم فوز صلاح منتصر وفوز جلال عارف، قبل أربع سنوات. وعدم التطرق للتطبيع لم يكن في محله، ولم استطع معرفة السبب في ذلك.
ورغم فوز مكرم محمد أحمد، إلا أنه ظهر بمظهر المهزوم، بأحاديثه الانفعالية بعد نجاحه مباشرة، وبدا وكأنه ينوي تصفية حساباته مع الصحافيين الذين لم ينتخبوه، وكان ذلك واضحا في رد فعله في أول حديث له فور إعلان النتيجة على فضائية الحياة المصرية، حيث كال لضياء رشوان كماً من الاتهامات والهجوم والتهديد والوعيد لم يسبق لفائز في انتخابات أن وجهه لمنافسه. وإذا كان يتعامل بكل هذا الكم من الانفعال والعنف اللفظي والصوت العالي وهو فائز، فماذا لو لم يكن قد فاز؟ هل يهدم النقابة على رأس من فيها؟ أم أنه يقلد أهل الحكم، وتقاليدهم في البطش والقمع والتهديد والوعيد والبلطجة، قولا وفعلا؟ أثبت تيار الاستقلال والتغيير داخل الجماعة الصحفية أنه الأقوى والأكثر تعبيرا عن الجماعة الصحفية، وهذا أجلس النقيب الحكومي على قنبلة موقوتة، معرضة للانفجار. خاصة أن مصر مقدمة على مرحلة ملتهبة خلال عامي 2010 و2011، عامي الانتخابات التشريعية والرئاسية، بما يحيطها من احتمالات قد تجعل من التزييف والتزوير والبلطجة عملا صعبا، كما أوضحنا في جزء آخر من هذا المقال، على حكم ليس أمامه من سبيل إلا استخدام هذه الأساليب، وإذا. فهو معرض للسقوط والإزاحة.

Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment