Monday, January 3, 2011

مطاع صفدى :الغرب فى رداء الجلم وطريق السراب




أوربا المتجمدة مناخياً بالثلج الأبيض هذه الأيام، قد تأتي بالتعبير المادي الساطع عن أوربا شبه المشلولة سياسياً، والمأزومة إقتصادياً. فالعام القادم يتسلل إليها عبر جسر جليدي.
لا تكاد تحس فروقاً كبيرة تنتظرها بين الأمس والغد، في أي شأن حياتيّ أو بنيوي مستعص على المفكرين كما الخبراء. لكن شيئاً واحداً من كل همومها المتراكمة هذه، قد يصبح نواة مركزية لباقي أعراض المرحلة. وهذا الشيء هو من طبيعة مزدوجة بين عقلية وغيبية معاً. فبعد التمركز الذاتي حول أن الغرب يشارف نهايته، لفقدانه المتسارع لمبدئية التفوق المطلق عالمياً، فقد تجيء اللحظة الكاشفة لكون هذا التمركز ليس سوى عرض سيكولوجي ومَرَضيّ تقريباً. كان ردَّ فعل شعبوي على الأزمة الاقتصادية المالية التي سقطت فجأة كالصاعقة على رأس المجتمع المخدر بأنعام الرفاه والبحبوحة المفرطة أحياناً. لكن الأزمة لم تنته فصولاً بعد. وهناك من يعتقد أن القادم منها هو الأفظع، ومع ذلك يرفض الفكر أن يتمترس وراء لوائح الأرقام الشحيحة بمؤشرات الإيجاب، والمنذرة غالباً باستمرار الجمود والفيض بالخسائر المتفاوتة.
بعض هذا الفكر المتمرد على لغة الأرقام يرفص الانضواء تحت أية صِيَغ من تسميات النهايات وأضوائها. إنه يرى في المايحدث الفعلي تحولاً في المسيرة الشاملة، قد يصل إلى حد الانعطاف أو القطيعة البنيوية التي تستلزم معها قطيعة معرفية، وإن لم تأت بعد بطلائع جديدة لأنظمة منهجية مغايرة وغير مسبوقة؛ بيد أن المنطلق الذي يتشبث به هذا الفكر يهدف إلى تثبيت أن أطروحة النهايات ليست سوى تعويذة مأتمية تشلّ الوعي العام، وتمنعه من البحث عن اسباب العلّة، بدلاً من سكب الدموع على مآسيها. بل ينبغي البدء كذلك من كسر هذه التعويذة، من تحرير هذه الفئات من مثقفي اليسار واليمين معاً، من ردعهم عن المشي في موكب كل جنازة شعبوية تريد أن تدفن ما تبقى من الأفكار الحيّة، بحجة موت سواها من أضدادها.. أو من خطاياها الشائعة. فأفكار البدايات والنهايات لا تولد أو تموت، من تلقاء ذاتها، بل تأتي كعناوين إنسانوية يطلقها الراصدون لحركة المجتمع من حولهم، كيما يتخلصوا من صدْفية حوادثه وفُجائيتها؛ وقد يضفون عليها بذلك خارطةً عقلانية قابلة للفهم والتحليل. لكن يظلّ المجتمع، كما الطبيعة، ثائراً على كلّ تنظير يعتقله في منطوقه الخاص.
يسجل مؤرخو الأفكار أنه لم يسبق للغرب أن سيطر تعبير الانهيار على الألسنة والأقلام ويخرج من حيّز الباحثين والمختصين إلى لغة الصحافة والعامة، كما هو حاله منذ منعطف العشرية الأولى للقرن الحالي، متجهاً نحو العشرية الآتية. هذا التعبير لم يعد مجرد مصطلح ثقافوي؛ إنه يلخص حالاً من الهلع الحضاري الذي يشلّ إرادة المقاومة الجماعية. وهو الوضع الذي يرفض الاعتراف به والاستسلام لمفاعيله النفسية، والإيديولوجية، ذلك الجيل الأخير من سلالة التنويريين الصامدين. هؤلاء القلة من مفكري العصر العولمي الذين لم ينفضوا أيديهم من وعثاء العولمة في شكلها الليبرالي، إلا ليشهدوا مجدداً على بطلان منطلقاتها العقلوية الزائفة، ليس بطريق المحاججة المنطقية فحسب، ولكن بما آلت إليه تجاربها الواقعية عينها، من تهاوي أنظمتها المالية في عين أوطانها خصيصاً.
ما يقوله هؤلاء التنويريون أنه إذا كان ثمّة نهاية تواجه العصر، فهي ليست غربية أو شرقية، بل هي نهاية هذه العولمة الليبرالية. أما (العالم) فهو قادر، والغرب في طليعته كما يعتقد هؤلاء، أن يتخطى انحرافه وتحريفه عبْر مفهوم السوق المفتوح فقط للقلّة القليلة كيما تستثمر ثروات البشرية كلها. فقد جاء تعبير العولمة ليخفي الخديعة الكبرى، حين هرولت نحو معابدها الشمعية أرتالٌ من مثقفي المعمورة، والغربيين في المقدمة دائماً. تنازل هؤلاء دفعة واحدة عن ألف بائية الثقافة والأخلاق معاً، ليتحولوا إلى مبشرين بنهاية الأيديولوجيات. من أجل أن تبقى الليبرالية وحدها إيديولوجيا نهاية التاريخ، أو (كماله) الموهوم بالأخرى.
تصحيح مسيرة الغرب. ذلك هو إكسير الحياة الذي يُبقي على شعلة التنوير ملتهبةً ومرفوعة بأيدي هذه النخبة من أهل الفكر المتمرد على وعثاء الزمن الرديء، في كلّ تحول نهضوي عرفه تاريخ المشروع الثقافي الغربي. فالتعبير ليس جديداً. لم يكن شعاراً لفظياً في ماضيه. كان مسؤولاً عن تجارب التحولات البنيوية العظمى، التي كانت تخفّف من أعطال كل دورة حضارية للغرب، بحيث تقضي على النفايات المتراكمة في تربتها، لتفتح في الأرض والفضاء سيل الحياة والنمو للبراعم المكتنزة الواعدة.
كان ذلك دأب التغيير وامتيازه على سواه في 'سيرة التصحيح الغربي لذاته'. وكانت له نتائجه الباهرة في فلسفة التقدم التي قادت الحضارة العالمية.. إلى خيرها القليل، وشرها الكثير في وقت واحد. أي أن إرادة التصحيح كانت أقوى من عقباتها نسبياً. بحيث أمكن للغرب الأوروبي أن يفوز أخيراً بنماذج ناجحة عمّا يُسمى بمجتمع العناية. فهو الثمرة العليا لمحصلة الجانب الإنساني من مشروعه بالنسبة لمكاسبه الهائلة في ميادين المعرفة، إلى جانب تسلطه الدائم على السياسة الكونية، واستخدام مصالحها الحيوية وقوداً في قاطرة تقدمه المضطرد، العائد عليه وحده بأكبر المنافع، وعلى بقية البشرية بويلات الحروب الدائمة. التنويريون من مثقفي أوروبا الغربية خاصة، وفي الواجهة الفيلسوفان الألمانيان هابرماز وسلوتردايك، يعتبرون أن التهويل بانهيار الغرب ليس سوى تغطية لأزمة الرأسمالية في نوعها الوحشي، الخارج على المشروعية المدنية، والمتجاوز لسقف الأخلاق والقانون معاً. فحين تتم إعادةُ عقلنة الرأسمالية، بوضعها تحت رقابة حقيقية من قبل رأي عام حقيقي كذلك وفعّال، ربما يصبح المجتمع الغربي هو السيد على أنظمته كلّها، ومنها منظومة السوق المعروفة بتمردها المستديم، محتجة بالليبرالية الرافضة لتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي البحت. لكن (الأزمة) المستحكمة الراهنة أسقطت هذه المحاجّة من جذورها الواقعية، إذ أثبتت أنه عندما يهدر شلاّل المال فإنه يطيح بالأعمدة الثلاثة لكلّ كيان جماعي عصري قائم، وهي الدولة والمجتمع والسوق بينهما؛ فهل يمكن تصحيح خلل التوازن بين هذه الأعمدة الثلاثة، وما هي الطريقة الأنجح إلى ذلك؛ مع العلم أن (الطريقة) هذه قد استهلكت كل وسائلها عبر التجارب العنفية والأيديولوجية المهولة التي اجتازها العصر الصناعي. فالأزمة (العظمى) لم تقع إلا بعد استنفاد تلك الحلول جميعها. حكْم التاريخ، وليس حكْم الإنسان فقط.
ثقافة التنوير التي كادت تكبو وتخبو شعلتها نهائياً طيلة زمن العربدة الليبرالية الفالتة (1990-2008)، ليست عائدة هذه المرة، كمرحلة انتقالية بين أزمتين، على ما كان عليه إيقاع التقدم الغربي في ماضيه البعيد والقريب. ذلك أن المأزق الكلياني الحالي الموشك على زعزعة ثقة الغرب بذاته وديمومته، قد يتصاعد إلى مستوى الكارثة الجدية، مع فقدان السيطرة على زمام الأمور. بمعنى أن يصبح العقل الغربي ليس فاقداً لبوصلة الحقيقة فحسب، بل لإرادة الحقيقة في ذاتها.. هذه الخاصية الفريدة التي هي امتياز المشروع الثقافي الغربي على سواه من أنداده؛ إذ كانت تمدّه بسلاح خلاصه الأخير عند كل مأزق حضاري حاسم، قبل أن يمسي الضلال سيداً أوحدا لذاته، وللعقل معاً. وهو الوضع الذي يحدد علامة الموت للعديد من الحضارات الأخرى البائدة. نقول، هل لا تزال إرادة الحقيقة حيّة وشابة تحت جلد القارة العجوز، أم أن ثقافة التنوير العائدة لن تملك أكثر من لهبة الحنين الباردة إلى ماضيها؛ أذ أن شعلة الشمعة الذابلة قد تطرح مجدداً رهانها القديم، المحبط في معظم جولاته (التاريخية). فالشعلة الذابلة لم تعُد يَدُ الغرب وحدها قادرة على حملها. وكان عليها منذ البدء أن تمنح التنوير وساعته الكونية، أن تُسَلِّم الشعلة ليد البشرية جمعاء. ذلك هو تحدي التصحيح الأصح الذي تجاهله الغرب. وحان وقت المواجهة المتأخرة؛ وإن لم يفتْ أوانها بعد.
التنوير ليس كنزاً من الجوهر اللامع يحتكره مكتشفه، يغطيه بعباءة سوداء أو حمراء، حتى يخنق الجوهر بضوئه المكبوت. فمنذ أن أعلن ثوار باريس لائحة حقوق الإنسان فوق حطام سجن الباستيل، لم يكونوا يفعلون ذلك باسم دولة أو أمة، ولكن باسم الإنسان؛ وحده هو الأحقّ بالحرية والعدالة ما فوق حطام ثلاثي النظام الشمولي البائد: الحكم المطلق، الإقطاع والكنيسة؛ فالنهضة الأوروبية سبقت، فكرياً ثم إنسانياً إجتماعياً، عصر الصناعة، وولادة الرأسمالية. هكذا وقع التعارض بين النزوع نحو الكلّي الكوني الذي يرفع التنويرُ شعاراته تحت يافطة شاملة لحقوق الإنسان، باعتباره هو المستحق الأول لجوائز كل تقدم، وبين نظام الإنتاج الجديد المستغل للإنسان، باسم مصلحة الفرد القادر على جني أرباح من رأسمال، تلتبس مصادره بين المشروعية واللامشروعية. هكذا يعترف دُعاة الديمقراطية أن مبدئية الحرية لا تتفق دائماً مع الرأسمالية، عبر تطوراتها المتأزمة باستمرار. وذلك على العكس من دعاية مضادة للبداهة التاريخية، جعلت الرأسمالية شرطاً لضمان الحريات، وكادت أن توحد بينهما.
هذا الجدل العريق يستعيد حيويته هذه الأيام كلّما تكشّفت الأزمة الإقتصادية أكثر عن عقابيلها الاجتماعية المدمرة؛ من هنا يتشبث مفكرون مخضرمون عاشوا (الثلاثين عاماً الذهبية) وهاهم يعاصرون أشباحها المنقضية، يتشبث هؤلاء بالنظرة الجذرية نحو شعار: تصحيح مسيرة الغرب. فالمسيرة عينها ليست سوى الطريق المنحرف عن ينابيعه الأولى، والمتجه نحو غايات أخرى مضادة لآفاقه المتصورة منذ فجر التنوير. إنه طريق أهوال الحروب والفتن والثورات الفاشلة والفاشيات على أنواعها بالنسبة للقارة الأوروبية ومجتمعاتها، داخلِها وفيما بينها. ثمّ أن هذه المسيرة الانحرافية جعلت الغرب أكبر مصدّر للعالم بكل مآسيه المستعصية، فهل هذه المسيرة ما زالت قائمة وقابلة للإصلاح. ومن يصلحها.. إلا المستفيدون من أهوالها في كل منعطف من قصتها البائسة.
الجدل القديم محتوم. والجديد فيه أن عصب المشكلة أمسى مشدوداً على أوتار ثقافة النهايات من كل نوع. أوروبا العجوز ترفض الاعتراف بشيخوختها. فهي في تاريخها كانت المستثناة دائماً ما فوق مقاييس الآخرين، فَلِمَ لا تكون شيخوختها مستثناة كذلك من مصيرها المحتوم، فإن لها مصيراً آخر هو اكتمال النضج الحضاري الذي قد يسمح لها بانتهاج مسيرة أخرى مختلفة.. بانتظار عصر تنوير ثانٍ مجيد، ربما سوف يعترف لها العالم به كمبدأ وواقع معاً وإلا.. عاد السراب!


' مفكر عربي مقيم في باريس

Image and video hosting by TinyPic

اخر ما نشر فى سواح اون لاين

هنا لندن

0 comments:

Post a Comment