بيروت\مجلة المصداقية \ترجمة جرمين نصيف
أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في 10 من يناير 2007 عن الخطة الأمنية الجديدة لبغداد، والتي تسعى إلى تحقيق الاستقرار الأمني في البلاد مع التركيز في المدى القصير على بغداد ومحافظة الأنبار.
وقد جاءت هذه الخطة الأمنية على خلفية من الصراع الطائفي بين كافة أطياف الشعب العراقي، وتدهور الوضع السياسي وسيادة القانون، وغيرها من العوامل التي أثرت تأثيرا قويا على درجة تطور كفاءة القوات العراقية. لكن هذه الخطة تواجه عددا من التحديات، التي تمثل عائقا ضخما أمام محاولات الخروج الأمريكي من العراق.
في هذا السياق، يقدم الخبير الإستراتيجي الأمريكي "أنتوني كوردسمان" دراسة مطولة تقع في 297 ورقة، يتناول فيها الوضع الأمني بالعراق وتطور قوات الأمن العراقية منذ الغزو الأمريكي والتحديات التقنية والسياسية التي تواجه تطوير هذه القوات، ثم يقدم الكاتب رؤية إستراتيجية لتحقيق نجاح الخطة الأمنية بالعراق.
فشل في تطوير القوات العراقية
لا يمكن لأحد أن يغفل تماما وجود بعض النجاحات لقوات الأمن العراقية. فالجهود التي بذلت من أجل رفع كفاءة وقدرات هذه القوات فاقت بكثير ما بذل من أجل تحقيق النجاح على المستوى السياسي والاقتصادي. وبالرغم من ذلك فإن تلك الجهود لم تحقق النجاح المتوقع لها وفقا للخطط الأمريكية لعام 2006 أو للتوقعات التي قدمتها وزارة الدفاع إلى الكونجرس. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
أولا: عدم شفافية التقارير الأمريكية الصادرة عن مستوى كفاءة وقدرات قوات الأمن العراقية، وكذلك عدم إصدار تقارير تفصيلية ودقيقة عن حالة الجيش العراقي. فقد أعلنت القوات الأمريكية أن هناك عددا كبيرا من القوات العراقية مؤهل ومدرب لتولي المسألة الأمنية في البلاد. ولكن عمليا، لم تحقق تلك القوات النتائج المرجوة على أرض المعركة. وأظهرت المعارك مدى اعتماد تلك القوات على القوات الأمريكية وقدراتها اللوجستية والمخابراتية والعسكرية.
بالإضافة إلى ذلك فإن التقارير التي تعتمد عليها الإدارة الأمريكية في رسم خططها أصبحت قديمة إلى حد كبير ولا يمكن الاستناد إليها. فقد أظهرت التقارير الأمريكية السابقة أن عدد عناصر الأمن العراقي الذي تم تدريبه منذ سقوط نظام صدام حسين قد فاق 320.000. ولكن هذا العدد لا يعبر الآن عن حجم القوة البشرية العراقية، حيث أظهر عدد من التصريحات أن عدد من قتل وهرب من الجيش في الفترة السابقة قد فاق 50.000.
وعلى مستوى القيادة العسكرية، نجد هناك بعض التخبط والآراء المتضاربة حول مدى نزاهة عناصر الأمن العراقي نتيجة ما تبثه تلك القيادات من أقاويل حول انتشار مظاهر الفساد والولاءات المتعددة داخل الأمن العراقي. وفى الوقت ذاته، يوجد الكثير من التقارير حول نجاح ومدى التزام عناصر الأمن العراقي بالنزاهة.
ثانيا: استعجال القوات الأمريكية بالدفع بقوات الأمن العراقية في العديد من المعارك على الرغم من وجود عدد كبير منهم قد تم تجنيده من أجل القيام بمهام محدودة ودفاعية فقط وليس من أجل خوض معارك قوية واسعة النطاق لمواجهة المتمردين والصراعات الأهلية في البلاد، الأمر الذي كان له تداعيات خطيرة على تطور القوات العراقية، وهو ما بدا واضحا في معركة الحديثة في خريف 2004 والتي أعقبت الانسحاب الأمريكي من الفلوجة. لقد كتب مايكل جوردون في النيويورك تايمز معلقا: "إن قيام المتمردين باغتيال عناصر الشرطة العراقية في الحديثة عندما كانت القوات الأمريكية تحاصر مدينة الفلوجة كان خير دليل على عدم نضج القوات العراقية".
ثالثا: عجز المعدات القتالية اللازمة. فقد كان هناك العديد من المحاولات لرفع الإمكانيات العسكرية للجيش العراقي ولكن ووجهت كافة خطط تطويرها بالعديد من المشاكل التي تتعلق بسوء التخطيط. ففي يونيو 2005، كان هناك صفقة عسكرية من بولندا، وتم تأجيلها عاما، ولم تبدأ قوات الأمن العراقية في استخدام أول مركبة عسكرية إلا في سبتمبر 2006. وقد أثر الفساد داخل الحكومة العراقية بالتبعية على الموارد العسكرية للجيش العراقي. ففي عام 2004 قامت الحكومة العراقية بعقد صفقة طائرات هليكوبتر من روسيا بمبلغ 400 مليون دولار، وكان معظمها غير مؤهل للاستخدام.
رابعا: طائفية قوات الأمن العراقية وتعدد الولاءات خاصة بعد قرار دمج الميليشيات في الجيش العراقي، الأمر الذي أثر - ولا يزال - على عمل قوات الأمن العراقية. ووفقا لأحد التقارير الأمريكية الصادرة في عام 2006، فإن الكثير من عناصر الجيش العراقي يدينون بالولاء للطائفة أو الحزب الذي ينتمون له. وقد انعكس ذلك التقسيم الطائفي على عمل الجيش العراقي، فنجد كلا من السنة والشيعة والأكراد يعملون في المناطق الجغرافية التي تنتمي إليها الطائفة. كما انعكس ذلك أيضا - وهو الأهم - على أرض المعركة، إذ يقوم قادة الأمن العراقي بإعطاء الأوامر للضباط من نفس الطائفة أو نفس العرق دون الآخرين. وعليه يرى الكثير من المحللين أنه في حالة حدوث حرب أهلية أو طائفية في البلاد فإن الجيش العراقي سينقسم بالتبعية وفقا للتقسيمات الطائفية والعرقية الموجودة في البلاد.
تحديات أمام الخطة الأمنية
وعلى خلفية وضع قوات الأمن والجيش العراقي، يطرح تساؤل هام هو: هل من الممكن أن تحل القوات العراقية محل القوات الأمريكية خلال 12 إلى 18 شهرا؟ وهل يمكن أن يزيد عدد القوات العراقية من 36.000 إلى 48.000 خلال هذه المدة؟.
إن مجرد الاقتراب من هذه الأسئلة يؤكد أن الخطة الأمنية ستواجه بعض التحديات أمام بناء القوات العراقية وتوسيع قدراتها العسكرية وكذلك العمل على رفع المستوى العسكري والقدرات القتالية، سواء على مستوى المؤسسات الحكومية أو على المستوى السياسي.
ومن غير المتوقع أن تشهد القوات العراقية تطورا ملحوظا بدون تطور سياسي ووجود مؤسسات وطنية قوية بعيدة كل البعد عن الولاء الطائفي. والمراقب للوضع العراقي يرى وجود بعض المعوقات لتلك الخطة على المستوى الوزاري والمؤسسات الحكومية وعلى المستوى السياسي.
أولا: على مستوى المؤسسات الحكومية
تواجه قوات الأمن العراقية العديد من المشاكل على مستوى القيادة أولا ثم على مستوى اندماج وانصهار قوات الأمن العراقية ثانيا. فمعظم الوزارات والهيئات الحكومية غير فعالة أو ينتشر فيها الفساد. ويرجع ذلك إلى طبيعة وهيكلية القدرات الدفاعية للعراق، كما يتبين في الآتي:
ـ وزارة الدفاع: غير منظمة ومنقسمة طائفيا بين كافة أطياف الشعب العراقي، وتعاني من الفساد الإداري. كما يوجد العديد من الاختلافات في وجهات النظر بين القادة العسكريين حول السبل المناسبة التي يمكن تطبيقها في العراق حتى تكون أكثر تماشيا مع الثقافة العراقية.
ـ وزارة الداخلية: بالمثل هي غير منظمة، ومعظم أفرادها يدينون بالولاء للشيعة أو الأكراد على حساب الانتماء للوطن. كما تفتقر الوزارة للموراد المالية، والقدرة على التخطيط مع انتشار الفساد الإداري.
ـ الشرطة الوطنية العراقية: هناك العديد من التصريحات التي أفادت أن عدد من تم تدريبهم من تلك القوات قد بلغ نحو 24.000 في مارس 2007، ولكن هناك بعض المشاكل المتعلقة بالكفاءة والتنظيم وكذلك في مسألة الولاء والانتماء، فالكثير من عناصر الشرطة الوطنية لا يزالون على صلة وثيقة بالميليشيات الشيعية والكردية.
ـ القوات العراقية: كان هناك العديد من الادعاءات بأن عدد القوات العراقية التي تم تدريبها يصل إلى 135.000 ولكن العدد الحقيقي لتلك القوات هو 85.000 فقط، ولم يحصلوا على التدريب الكافي الذي يؤهلهم لتولي المهام القتالية. وهناك العديد من التحليلات التي تؤكد أنه من المتوقع أن تهرب تلك العناصر مع وجود أي تهديد قوي.
ثانيا: على المستوى السياسي
يعتبر الحل الأمثل سياسيا هو الوصول إلى مصالحة وطنية وحل سياسي يرضي جميع الطوائف العراقية، الأمر الذي سيؤدي إلى وحدة قوات الأمن العراقية في التعامل مع عمليات التمرد والميليشيات والعمليات الانتحارية الدائرة في العراق. وفي الآونة الأخيرة بدأت المخاطر الأمنية تتزايد إلى حد كبير، وبات من غير الممكن التركيز على بعض المناطق دون الأخرى بحجة وجود خطر ضئيل في بعض الأماكن وخطير جسيم في أخرى، كذلك لا يمكن إغفال الصراع الشيعي الشيعي في المناطق الشيعية من جانب والصراع العربي الكردي (سنة) من جانب آخر.
نحو خطة إستراتيجية شاملة
يرى البعض أنه ليس من الممكن التوقع بالدور المحدد الذي سوف تلعبه القوات العراقية في السنوات القادمة. ولكن ما يمكن تحديده هو أن الجيش الأمريكي يجب عليه مواجهة التحديات والمعوقات السابقة التي واجهت الجيش العراقي. وكذلك إعطاء الجيش العراقي الفرصة والوقت اللازم للحصول على أفضل النتائج.
فعلى المدى القصير، يمكن إعادة ترتيب المؤسسات العسكرية كوزارة الدفاع ووزارة الداخلية على أسس وطنية وإمدادهما بالمعدات اللازمة. بالإضافة إلى العمل على إنشاء قوات عراقية وطنية خاصة لمكافحة المتمردين والصراعات الأهلية، وإعطاء الشرطة العراقية الموارد المالية والاستشارية التي تؤهلها لتكون أقل فسادا وأكثر فاعلية.
بيد أن هذا سيتطلب حتما أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تعاونا من الناحية المادية والإدارية، الأمر الذي يتطلب عدم الانسحاب الأمريكي من العراق قبل 3 أو 5 سنوات على الأقل حتى تكون الأمور قد استقرت في العراق. ويعتمد نجاح القوات العراقية أيضا على تحسن الوضع السياسي في العراق، وهو ما يتطلب قيام مصالحة وطنية والوصول إلى اتفاق سياسي بين طوائف الشعب العراقي، فلو نجح هذا الأمر على المستوى السياسي، سيكون له نجاحات مماثلة على القوات العراقية.
ويرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة لو نجحت في مواجهة المعوقات السابقة على نحو ما ذكرنا، سيكون هذا هو السيناريو الأمثل الذي يعبر عن نجاح الخطة الأمنية والجزم بأنها تسير في طريقها الصحيح. ويمكن حينئذ القول بأن القوات العراقية أصبحت قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار. وفي هذا السياق، ستحل القوات العراقية محل قوات التحالف وستنتقل للعمل على نطاق أوسع من مواجهة المتمردين على المستوى الداخلي إلى الدفاع عن الوطن. وفيما يتعلق بالشرطة العراقية فستركز على تحقيق الأمن الداخلي للبلاد والانتقال من مكافحة الإرهاب والعنف الطائفي إلى مكافحة الجريمة والفساد.
ولكن ماذا سيكون مصير قوات الأمن العراقية إن لم تنجح الولايات المتحدة في تفادي المعوقات ومواجهة التحديات التي تواجه الجيش العراقي؟.
يرى المحللون أن هذا الأمر هو الأكثر توقعا. وفي حالة فشل الوصول إلى مصالحة وطنية واتفاق سياسي يرضي جميع الأطراف فسوف تشهد السنوات القادمة تصاعدا لعمليات العنف الطائفي، والمزيد من الانقسامات الطائفية والانفصال على مستوى البلاد. وسيترتب على ذلك سلسلة من الانقسامات الطائفية على مستوى الجيش والمؤسسات العسكرية الأخرى، والتي ستنخرط في دوامة العنف الطائفي من أجل تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية للطائفة أو العرق الذي تدين إليه بالولاء. وفي تلك الحالة، ستنهار مقومات الدولة العراقية، وسينهار الاقتصاد العراقي، ما يؤدي إلى استمرار العنف. ومن المتوقع في تلك المرحلة انسحاب الولايات الأمريكية وقوات التحالف من العراق، ليصبح العراق مصدرا للتوتر الطائفي في المنطقة بأسرها.
وفي النهاية يمكن القول إن قوات الأمن العراقية لن تنجح بدون الذهاب إلى ما هو أبعد من رفع الكفاءة العسكرية لتلك القوات، وذلك من خلال وضع إستراتيجية سياسية تعمل جنبا إلى جنب مع الخطة الأمنية، من أجل تحقيق مصالحة وطنية بين الطوائف المختلفة من الشيعة والسنة والأكراد، والوصول إلى اتفاق سياسي يرضي جميع الأطراف؛ لأنه لو افترضنا نجاح القوات الأمريكية في رفع كفاءة القوات العراقية، فمن غير المتصور أن يتحقق رفع المستوى الأمني في المدن العراقية بدون وجود مصالحة سياسية بين كافة أطياف الشعب العراقي.
وفى هذا الاتجاه، يمكن القول إن قوة وكفاءة قوات الأمن العراقية ليست كافية لتحقيق الاستقرار، ولا بد من استخدام الوسائل السياسية لتحقيق هذا الأمن والاستقرار. ويتطلب ذلك إستراتيجية تقوم على الآتي:
ـ توسيع المشاركة السياسية للسنة في الحكومة الوطنية.ـ توزيع عادل للهيئات والوزارات الحكومية بين الشيعة والسنة والأكراد.ـ عودة البعثيين الذين ثبت عدم تواطئهم مع النظام السابق في الجرائم التي اقترفها في حق الشعب العراقي.ـ تعديل المواد الدستورية التي تغذي النعرات الطائفية وتعزز من فرص الانقسام الطائفي واندلاع الحرب الأهلية.ـ وضع أسس لقوانين الانتخابات التي تعطي جميع طوائف الشعب العراقي الفرصة في المشاركة السياسية.ـ القضاء على الميليشيات المسلحة وبحث كافة الطرق لاستيعابها.
وفى القوت ذاته، وعلى المستوى العسكري، يجب إعطاء القوات العراقية الوقت الكافي لتلقي التدريب وتعلم المهارات القتالية التي تؤهلها لتولي زمام الأمور. ففي يناير 2007، ذكر أحد التقارير أن انسحاب القوات الأمريكية خلال الـ 18 شهرا القادمة يعد انسحابا سريعا، وسيكون له تداعيات خطيرة على البلاد. وقد توقع التقرير أن هذا الانسحاب المبكر سيؤدي إلى اندلاع حرب أهلية شرسة سيصبح من الصعب إخمادها.وبالتالي يجب على الولايات المتحدة الأمريكية عدم المبالغة في وضع وكفاءة قوات الأمن العراقية وألا يكون الانسحاب والخروج من العراق على حساب نجاح وتفوق قوات الأمن العراقية.
محلل سياسي وإستراتيجي، وأستاذ بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، ومحلل شئون الأمن القومي في شبكة ABC News
يمكن تحمل الدراسة الاصليةعلى بالضغط هنا.
Thursday, November 13, 2008
الخطة الامنية حتى لايخرج الامريكيان بلاحمص،،،،،،انتونى كوردسمان
مجلة المصداقية السياسية
on 4:29 PM
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


















0 comments:
Post a Comment