Monday, April 20, 2009

دكتور حسن نافعة يكتب الردح الدبلوماسى



مجلة المصداقية- القاهرة

هل بقى لمصر من عناصر القوة، ناعمة كانت أم خشنة، ما تستطيع به التأثير على ما يجرى حولها؟ أخشى أن يكون الجواب بالنفى. أقول ذلك بينما قلبى ينفطر ألما وحزنا على ما آل إليه حال بلد كان يوما ما ملء السمع والبصر، يبدو كبيرا ومهابا يخشاه العدو ويحترمه الصديق.
ولا ينطلق حكمى هذا من موقف أيديولوجى وإنما يستند إلى معطيات وحقائق لا أظن أنها باتت تقبل النقاش أو تحتمل المكابرة. إذ يكفى أن نلقى نظرة سريعة على موقع مصر ومكانتها على خريطة الأحداث الإقليمية أو الدولية التى شهدتها المنطقة والعالم مؤخرا، لنصل إلى هذه القناعة دون ما تردد أو مكابرة.
على الصعيد الإقليمى، شهد عالمنا العربى خلال الأشهر الثلاثين الماضية حربين كبيرتين لم يكن بوسع مصر ممارسة أى قدر من التأثير، لا على الأحداث التى قادت إليهما، ولا على المسار الذى اتخذته المعارك فى ميدان القتال، ولا حتى على الجهود السياسية والدبلوماسية التى بذلت لاحتوائهما أو وقفهما، وبالتالى على النتائج التى تمخضت عنهما أو على التفاعلات الإقليمية والدولية التى أعقبتهما. فالحرب على لبنان لم تتوقف إلا حين عجزت إسرائيل، وبعد ثلاثة وثلاثين يوما من استخدامها المكثف لكل ما فى حوزتها من أسلحة، عن تحقيق أهدافها المعلنة.
والحرب على غزة لم تتوقف إلا حين استنفدت إسرائيل المهلة المحددة لها وعجزت عن إنجاز مهمتها قبل اليوم الأخير من ولاية بوش. ولأن مصر لم تستطع، سواء بجهودها المنفردة أو بالتعاون مع حلفائها، التأثير على مسار أى من الحربين، فقد كان من الطبيعى أن تبدو فى أعقابهما شبه معزولة وشبه مهمّشة.
دليلنا على ذلك عزوف الرئيس مبارك عن المشاركة فى قمتين عربيتين متتاليتين، هما قمتا دمشق والدوحة عامى ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، وسعى مصر المحموم لمنع انعقاد قمة استثنائية دعت إليها أطراف عربية أخرى أثناء الحرب!.
وعلى الصعيد العالمى، يبدو واضحا أن مصر لم تعد تملك من الثقل ما يؤهلها للمشاركة فى قمة انعقدت مؤخرا فى لندن لمناقشة سبل الخروج من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وشاركت فيها عشرون دولة كان من بينها السعودية وجنوب وإفريقيا.
ومن المؤسف أن تتراجع مكانة مصر الدولية على هذا النحو، حتى بالمقارنة بدول لم تكن المقارنة معها واردة أصلا حتى وقت قريب. فكيف لمصر أن تشارك فى صنع الأحداث العالمية أو الإقليمية، بينما رئيسها لا يكاد يبدى اهتماما يذكر بما يدور فى مناطق كثيرة من العالم.
فالرئيس مبارك لم يشارك بنفسه فى العديد من مؤتمرات القمة الأفريقية خلال سنوات حكمه الطويل، ولم يشارك فى القمتين العربيتين الوحيدتين اللتين عقدتا مع دول أمريكا اللاتينية، سواء تلك التى عقدت فى البرازيل منذ عامين أو فى قطر نهاية الشهر الماضى. فكيف نستغرب، والحال كذلك، أن تبدو مصر خارج المنافسة حتى على المقاعد الدائمة المخصصة للقارة الأفريقية، وهو ما يبدو واضحا تماما من سياق الجدل الدائر الآن حول إصلاح وتوسيع مجلس الأمن!.
أكثر من ذلك فعندما بحث أوباما عن دولة يوجه منها رسالة مصالحة للعالم الإسلامى، لم يجد أمامه سوى تركيا العلمانية، أما مصر، بلد الأزهر الشريف والتى كان يفترض أن تكون الدولة المؤهلة والمرشحة طبيعيا لكى تنطلق منها هذه الرسالة، فكانت مرة أخرى خارج إطار المنافسة، لا لضعف فى علاقتها الرسمية بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لضعف فى مكانة مصر الرسمية وفى قدرتها على التأثير عربيا وإسلاميا فى المرحلة الراهنة.
أشعر بأسى كبير حين أرى مصر الرسمية مشغولة بمعارك مع دولة قطر ومع حزب الله. ولأن الجيل الذى أنتمى إليه اعتاد أن يرى بلاده كبيرة تتصرف كالكبار، حتى وهى تمارس الاختلاف مع الآخرين، فلا شك أنه يشعر الآن بحزن كبير حين يجد أن نظام بلاده الرسمى اختار ليس فقط أن يعزل نفسه إلى الدرجة التى جعلته يبدو وكأنه بات يشكل العقبة الوحيدة الباقية على طريق المصالحة العربية، ولكنه تجاوز فى خصومته أيضا كل الخطوط الحمراء.
فقد راحت صحفه «القومية» وفضائياته «الرسمية» تتعامل مع زعيم حزب الله وكأنه قاطع طريق مأجور يعمل لحساب إيران، ومع قطر وكأنها «أراجوز» تتسلى به الولايات المتحدة. وكان لافتا للانتباه أن غضب مصر على قطر، والتى كانت يوما ما تقود قطار «الهرولة» للتطبيع مع إسرائيل، لم يظهر إلا حين نجحت فى جمع شمل الأطراف المتصارعة فى لبنان حول مائدة تفاوض للاتفاق على مخرج من أزمة كادت تدفع بالبلاد نحو حرب أهلية جديدة، وسعت للم شمل الأطراف المتصارعة فى السودان، وكادت تنجح فى دفعهم أيضا للاتفاق على مخرج من حرب أهلية لا تزال تهدد البلاد كلها بالتفتت والتجزئة.
كما كان لافتا للانتباه أن غضب مصر على حزب الله، والذى ظل لفترة طويلة منشغلا بالحرب مع إسرائيل فى جنوب لبنان، لم يظهر إلا بعد فوز حماس بالانتخابات النيابية وبداية بروز جبهة صمود ومقاومة قادرة على تشكيل بديل أكثر فاعلية لأطروحات التسوية البائسة.
سبق لى أن أدنت بشدة حملة بذيئة كانت أجهزة الإعلام الرسمية المصرية قد شنتها على حماس خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، ولا أجد اليوم أى غضاضة فى إدانة حملة إعلامية لا تزال مستمرة على حزب الله وزعيمه حسن نصر الله، وقبل ذلك على قطر وأميرها، تفوقت على سابقتها من حيث البذاءة، تنطوى على إدانة واضحة سواء للنظام الرسمى أو للجهاز الإعلامى الذى استخدم كمنصة لإطلاقها.
عورة النظام الرسمى، كما تظهرها هذه الحملة، تتجلى من خلال تصور يوحى بأن «الردح» الإعلامى يمكن أن يشكل بديلا لسياسة فاشلة يعوض به غياب رؤية استراتيجية أكثر قدرة على التعامل مع حقائق نظام إقليمى ودولى يبدو اليوم مختلفا كليا عن ذلك الذى اعتاد عليه منذ التوقيع على معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل.
إذ يحاول هذا «الردح» أن يوحى بأنه ليس لدى النظام الرسمى ما يخجل منه أو يخفيه، وأنه يتصرف من موقع الثقة بالنفس والإيمان بالسياسات التى انتهجها طوال تلك الفترة والتى لا يزال يصر عليها ولن يحيد عنها.
غير أنه لن يكون بوسع هذه الحملة أن تخفى على كل مواطن يملك ولو قدرا يسيرا من الوعى أن هذا النظام لا يملك أى أوراق ناعمة أو خشنة تصلح للاستخدام على مسرح المتنافسين فوق الساحة الإقليمية والدولية، وأن الكلمات الجوفاء تعجز عن صنع حقائق قوة لم يعد يملك منها على الأرض شيئا.
أما عورة الإعلام الرسمى فتظهرها حقيقتان برزتا من خلال هذه الحملة «الغشيمة» و«البذيئة».
الأولى: تتعلق بتبعيته الكاملة. فقد ثبت أنه إعلام لا يحظى بأى درجة من الاستقلالية، ويمكنه عند الضرورة أن يتحول إلى بوق دعاية يطلقه الحاكم حين يشاء ويسكته حين يشاء، وبالتالى لا يختلف فى قليل أو كثير عن أى إعلام موجه فى أشد النظم شمولية واستبدادا وديكتاتوية.
والثانية: تتعلق بضعف مستواه المهنى على نحو مشين. فقد ثبت أنه إعلام لا يملك من المهارة المهنية ما يتيح له «تسويق» رسالته الإعلامية أو وجهة النظر التى يدافع عنها بأى قدر من المصداقية. فقد تحركت جحافله على نحو يكاد يتطابق مع حركة الجنود فى «جهاز أمن مركزى» أو مجندين فى معتقلات جهاز «أمن الدولة» حين تصدر لهم الأوامر بضرب «أعداء الوطن»!.
ووفق ذات المنطق راح «كبار الصحفيين» يتبارون فى كيفية صك مصطلحات شتائم مبتكرة ينعتون بها دولة قطر الصغيرة وأميرها، أو حزب الله وزعيمه، وكأنهم جنود وصلتهم على التو أوامر بتكدير «أعداء الوطن»، فراحوا ينهالون عليهم ضربا فى كل اتجاه دون أن يتقيدوا بأى نوع من الضوابط أو القواعد القانونية أو الأخلاقية.
نسى هؤلاء، أو بالأحرى جهلوا وتجاهلوا فى زحمة حماسهم، حقيقة مهمة وهى أن الذين ينهالون عليهم ضربا قد لا يقلون وطنية عن الذين يعطونهم أوامر بالضرب. لذا لم يكن غريبا أن تسقط فى ثنايا بذاءاتهم كل القيم النبيلة والشريفة، وتمتهن المقاومة والأديان ويجرى الحض على الكراهية بين الشعوب والفتنة بين الطوائف دون حساب.
أخطأ حسن نصر الله حين قام بتحريض الجيش المصرى لفتح معبر رفح، وانتقدناه فى حينه، وأخطأ حين قام بتشكيل خلية سرية فى مصر، حتى ولو كان الدافع لها نبيلا، وانتقدناه فى ذلك أيضا، لكننا نعتقد فى الوقت نفسه أن طريقة النظام فى معالجة هذه الأخطاء تشكل خطيئة أكبر وتتسبب فى ضرر أعظم وأشد خطورة.
ولأن هذا ليس وقت الانتقام وإنما وقت المصالحة والوحدة فى وجه نتنياهو وليبرمان، الذى أهان الرئيس مبارك شخصيا وعلنا، فإننا نأمل أن تعطى الأولوية لترميم النظام العربى، لا للبحث عن حجج لاستمرار تفككه. ليس معنى ذلك أننا نطالب بوقف التحقيق القانونى فى القضية، ولكن بأن نتوخى الحقيقة وأن نعالج الأخطاء دون مبالغة ولمصلحة الوطن فقط.

0 comments:

Post a Comment