Sunday, October 25, 2009

ابن عربى ومركز دراسات يحمل اسمه في إيطاليا


إعادة افتتاح المركزيحوز علي اهتمام عشرات الهيئات الثقافية في أوروبا
ابن عربي علي رأس مفكرين إسلاميين شاركوا في صناعة قيم الغرب المتسامحة
الجانب النظري للفكرالحضاري ناحية إيمانية بحتة
الشاعر الألماني جوته ابن عربي بوابة من بوابات الإسلام
الشعراء والمفكرين الاوروبين يتبنون نهج ابن عربي باعتباره تلميذ ابن رشد
مقال القس الراحل جورج قنواتي من أهم ما كتب عن ابن عربي
برتراند رسل : ابن عربي تجربة إيمانية كبيرة تعزز فكرة تقبل الآخر

بقلم - باسم توفيق: علي مدار الزمن هناك عصور من الضبابية والعتامات التي تغشي عيون الشعوب وتحجب صلب الحقيقة عن مسار الثقافات الحقيقي وربما تجد أن الفكرة الكامنة في الإطار الحضاري هي الأقوي من الفكرة المعلنة وهذا ما يجعلنا نلتفت بشدة للتفسيرات الباطنية للتاريخ والنظريات الحديثة لفكرة الحضارة وتصبح المتعة الحقيقية في استخلاص تلك الحقيقة الكامنة في صلب الفكرة ولعلنا اذا أخذنا الاسلام كفكرة حضارية استطعنا استقبال النظرية علي هذه الفكرة كخامة أساسية لما يعرف بطرح حضاري واع ونسق كامل لحضارة متسقة وذات دلالات كثيرة وعميقه فالاسلام البعيد عن الأصولية هو فكرة ايمانية تربط الحضارة بالايمان في كل النواحي وخاصة من الناحية النشأوية وما يستتبعه بالضرورة من وشائج تربط هذا الطرح الفكري المكتمل وهناك شقان متباينان في الفكرة كمحور مركزي للثقافة الإسلامية أولهما العلم النوراني ذو الحدث القلبي المعروف جدلا لدي المفكرين الاسلاميين بالعلم اللادني وهو تلك الطاقة النورانية الممنوحة كعطية للمؤمن لكل ما هو غيبي وغير مرتبط بمنطق القياس العقلي.

وثانيهما هو العلم الدنيوي من معارف قد تكون هي الدرجة الأولي في سلم القدرة علي استقبال الحدث التنويري المتمثل في الشق الأول والمقصود به العلم اللادني.

ويذكر تاريخ الفكر الإسلامي العديد من المفكرين الذين كانوا نبراساً في تكوين ما يشار إليه بالنسق الإسلامي عند المجتمع الغربي.

وهم كثر لكن يظل هناك نخبة من المفكرين يشكلون صفوة من واضعي أسس تجريد الفكرة الحضارية ووضعها في قالب نوراني يسهل استقباله من عقول لايدين معظمها بالاسلام.

ولعل هذا يحملنا الي ما نريد أن نقوله في ظل حدث عالمي لفت نظر مئات الهيئات الثقافية حول العالم وهو إعادة افتتاح مركز دراسات الإمام محيي الدين بن عربي للدراسات الإسلامية والشرقية في مدينة ميلانو الإيطالية والبدء في إنشاء فرعين له واحد في جنوة والآخر في مدينة بولونيا الكبيرة.

وكان هذا حدثا قويا لفت نظر كل القنوات الايطالية في بداية شهر أكتوبر الحالي وكتبت عنه الصحافة في أوروبا كلها مما أدي أيضا لظهور طوفان من المقالات التي تتناول العارف بالله محيي الدين ابن عربي بالشرح والتحليل ويعتبر ما نشرته جريدة فينتي كواترو مجهودا كبيرا حيث خصصت له سلسلة مقالات تتحدث عنه وكان أهمها ما كتبه الراحل جورج قنواتي والذي يعتبر من رجال الدين المسيحيين الذين عرفوا ابن عربي خير معرفة.

لكي نجول في إشارات عن حياة ابن عربي يجب أولا أن نعرف لماذا ابن عربي بالتحديد واستعير هنا كلمات الشاعر الألماني فولفجانج فون جوته لأني لا أجد ما هو اكثر تأثيرا منها حيث يقول اذا كان هذا الشيخ محيي الدين ابن عربي قد عاش بيننا علي الأرض يوما من الأيام وكان بهذا العقل والحكمة والرؤية فانني اعترف بأن كل من لم يصب فطرة الاسلام علي يديه فانه قد خسر كثيرا ولكان ابن عربي أحق بأن يكون بوابة الاسلام الموشاه بسجوف الحكمة والحب.

ولعلي أؤكد هنا أن جوته قد لخص في نهاية كلمته مذهب ابن عربي غاية في البلاغة والتركيز فلقد كان مذهب هذا الامام الحكمة حيث عرف الدين في معظم أعماله علي انه ارتقاء بالحب من جسديته لروحانيات تقود القلب للعشق الأوحد للخالق بل وتعدي ذلك ان ذكر محيي الدين ابن عربي أن الايمان ملأ قلبه حبا لكل البشرية بكل عناصرها وألوانها بالطبع ذو دلالة شديدة الخصوصية والتفرد.

ولمحيي الدين ابن عربي مع الغرب تاريخ طويل يرجع للقرن الخامس عشر الميلادي وربما أكثر حيث تبني الشعراء الأوربيون والمفكرون فكر ابن عربي باعتباره تلميذا لابن رشد ثم باعتباره أحد أقطاب الصوفية ذي المذاق الرمزي الفلسفي.

واستمر هذا الافتتان في العصر الحديث حيث أسس بعض المفكرين الغربيين في عام 1901 مركز دراسات محيي الدين ابن عربي والذي أعيد فتحه حيث كان الهدف منه الحفاظ علي تراث هذا العالم وكان علي رأسهم الشيخ أحمد المغربي وهو بولندي دخل الإسلام وحسن إسلامه وكان معظمهم من الذين دخلوا الاسلام كما شارك في هذا الصرح العملاق المفكر الإسلامي الكبير الشيخ عبد الواحد يحيي واسمه الحقيقي رينيه جينون حتي قبل أن يدخل الإسلام كما شارك فيه العديد من مفكري الغرب ومنهم عالم الآثار الانجليزي جارونفيلد والشاعر الألماني نلدكه.

والشيخُ محيي الدين ابن العربي هو محمدُ بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي من ولد عبد الله بن حاتم أخي الصحابي الجليل عديّ بن حاتم، ويلقب بمحيي الدين، ويُكنّي أبا عبد الله وأبا بكر ويُعرف بالحاتمي أو الطائي وبابن عربي وفي المغرب بابن العربي وفي الأندلس بابن سراقة، وكذلك يُدعي بسلطان العارفين وإمام المتقين وغيرها من ألقاب التشريف التي تليق به.

وُلد الشيخ محيي الدين ابن العربي ليلة الاثنين في السابع عشر من شهر رمضان سنة 560 للهجرة 26 تموز 1165 ميلادية في مدينة مُرسِية شرقي الأندلس، ثم انتقل إلي إشبيلية سنة 568-1172 فأقام بها حوالي عشرين عاماً ذهب خلالها إلي المغرب وتونس عدة مرات، وأقام هناك لفترات متقطعة ثم ارتحل إلي المشرق للحج سنة 598-1201 ولم يعد بعدها إلي الأندلس. وفي المشرق أقام في مصر مدة وجيزة ثم دخل مكة وعكف علي العبادة والتدريس في المسجد الحرام حيث أفاض الله عليه معرفةً وعلوماً شريفة أودعها في كتابه المعروف بالفتوحات المكية.

ثم رحل إلي العراق فدخل بغداد والموصل واجتمع برجالها ثم طاف في بلاد الروم فسكن فيها مدة وكان له منزلة عالية عند ملكها المسلم كيكاوس. بعد ذلك قام الشيخ برحلات عديدة بين العراق ومصر وسورية وفلسطين حتي استقر في دمشق سنة 620-1223 إلي أن وافته المنية ليلة الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 638 للهجرة 9-11-1240 م ودفن بسفح جبل قاسيون وتسمي الآن المنطقة التي فيها ضريحه باسمه الشيخ محيي الدين حيث يوجد قبره في طرف المسجد الذي بناه السلطان سليم حين فتح دمشق سنة 922-1516. وخلّف رحمه الله ولدان هما سعد الدين محمد وعماد الدين أبو عبد الله محمد.

قرأ الشيخ محيي الدين القرآن في إشبيلية علي الشيخ أبي بكر بن خلف بالقراءات السبع بالكتاب الكافي ودرس التفسير وسمعه عن عدد من المؤلفين أو من يروي عنهم، منهم أبو بكر محمد بن أبي جمرة عن أبيه عن الداني مؤلف كتاب التيسير، ومنهم ابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي وغيرهم كثير. وسمع الحديث أيضاً من أبي القاسم الخزستاني وغيره، وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر.

برع الشيخ محيي الدين ابن العربي في علم التصوف وكتب فيه المئات من الكتب والرسائل زاد عددها عن خمسمائة كتاب علي حدّ قول عبد الرحمن جامي صاحب كتاب نفحات الأنس . أحد هذه المؤلفات وأهمها هو كتاب الفتوحات المكية والذي هو بحق أهم مؤلَّف في تاريخ الفلسفة الاسلامية بل من أهم الكتب في تاريخ البشرية.

ومن مؤلفاته أيضاً كتاب تفسير القرآن الذي يقول فيه صاحب كتاب فوات الوفيات أنه يبلغ خمساً وتسعين مجلداً وربما هذا هو كتاب التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلي سورة الكهف عند الآية: وعلمناه من لدنا علمآ ، ثم توفي قبل أن يتمّه. وله أيضاً: فصوصُ الحِكَم ، وله أيضاً من الكتب:

محاضرة الأبرار ، إنشاء الدوائر ، عقلة المستوفز ، عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب ، ترجمان الأشواق ، التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ، مواقع النجوم ومطالع أهلّة أسرار العلوم ، الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل ، الجُذوة المقتبسة والخطرة المختلسة ، كشف المعني في تفسير الأسماء الحسني ، المعارف الإلهية ، الإسرا إلي المقام الأسري ، مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية ، الفتوحات المدنية ، الأحاديث القدسية ، وغيرها الكثير من الرسائل الصغيرة.

ولقد قام الدكتور عثمان يحيي رحمه الله بتأليف كتاب قيّم حول مؤلفات الشيخ الأكبر سمّاه: مؤلفات ابن العربي تاريخها وتصنيفها، وهو باللغة الفرنسية ثم ترجمه الدكتور أحمد الطيبي إلي اللغة العربية.

لقد أجمع الكتّاب والباحثون المختصون أن محيي الدين ابن العربي لم يكن مؤلّفاً عاديّاً مثل غيره من المؤلّفين، بل كان يتميّز عن غيره بالكمّ والكيف، وهو نفسه يؤكد أنه لا يجري مجري المؤلّفين الذين يكتبون عن فكر ورويّة. وقد وصفه بروكلمان بأنه من أخصب المؤلفين عقلاً وأوسعهم خيالاً.

ولعل ما يلفت النظر في فكر ابن عربي هو استخدامه لغة المجاز في التعبير عن قضايا فلسفية وروحانية كثيرة مما قد يخلق بعض الخلط عند قراءه لأن هذه اللغة الرمزية هي لغة قد لايفهمها العامة بل هي خلقت لخاصة من القاطعين جميع العلائق والأغيار علي حد تعبير المعجم الصوفي لكن علي أية حال لقد استهوي الغرب هذه اللغة واعتبروها صنوا لما عرف عندهم بمدرسة الرمز والتي انتشرت في بلاد الفرس أيضا.

وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل ابن عربي هو إطار فلسفي لتجربة إيمانية كبيرة قد توصف بالإنكار والاستنكار فهي إنكار لاختلاف البشر من ناحية واستنكار لفكرة التفرقه والفصل من الأساس .

ولقد شارك في افتتاح مركز دراسات ابن عربي وزير الصحة الايطالي ماوريتسو سيكيوني والمعروف بإعجابه الشديد بالفكر الإسلامي وتم تخصيص ميزانية كبيرة من الحكومة الايطالية للمركز ودراساته.

ولا نجد هنا ختاما أصدق من هذه الأبيات للامام ابن عربي والتي يضرب بها منهاجا خالدا للمواءمة والتصالح بين البشر حت يظل الحب نبراسا يشكل فكرة الإيمان.


لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلي دينه داني
لقد صار قلبي قابلاً كلّ َ صورة
فمرعي لغزلان ٍ ، ودير ٍ لرهبان
وبيت ٍ لأوثان ٍ وكعبة طائف
وألواح توراة ٍ ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهتْ
ركائبه ، فالحب ديني وإيماني



Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment