Sunday, October 25, 2009

اندريه جيد فارس الغرب الذي شعر بعبقرية الشرق


أنتون كراسي : الأدب الجميل ينتشلنا من هزل ما بعد الحداثة
كتاب جديد يحوي مقالات ورسائل لجيد لم تنشر من قبل
جيد يعتبر طه حسين معجزة خرجت من الأزهر إلي السربون ووجدت الحقيقة في الإسلام
أندريه جيد يثور علي نشأته البروتستانتية المتزمتة بعد رحلته للشرق وتخيب آماله في الاشتراكية بعد زيارته لروسيا

بقلم - باسم توفيق: في استطلاع للرأي قامت به جريدة اللوموند الفرنسية عن قارئي الأدب الفرنسي منذ ثلاثة أشهر كانت نتيجة الاستطلاع مذهلة وساحقة لصالح القديم حيث اجريت اللوموند الاستطلاع علي عينة عشوائية بين سكان باريس وضواحيها من الفئة العمرية بين الـ18 والـ55 وهذا يعني التأثير علي ما يعرف أحيانا بتحيز الكبار للقديم ومع ذلك كانت النتيجة غير متوقعة بل وصدمت كل ناقدي الأدب الحديث حيث جاءت النتيجة بنسبة 76% للكتاب ما قبل السبعينيات وحتي القرن الـ19 امثال بودلير ومولير ورامبو وجيد وفلوبير وغيرهم من تلك الجيال التي أعطت للأدب الفرنسي وقاعته وقوته وشهرته ايضا وكانت نسبة 2% لكتاب الخيال العلمي الفرنسيين و22 % لصالح الكتاب الحداثيين مثل كولين وبوليرو وكارولين سولان .

علي اية حال كتب انتون كراسي محرر اللوموند تعقيبا علي ذلك (لم يكن يتوقع أحد ولا حتي أنا ان تكون النتائج بهذا الشكل الذي لو قررنا أن نصفه فسوف نضعه اصطلاحا تحت نظرية الجمود أو كما يقول فرويد (الثبوت علي مرحلة سابقة) فإذا كان فرويد يصف مراحل تطور العقل والنفس البشرية فإن هذا يصف مراحل تطور العقل الفرنسي والذوق لدي المجتمع الذي تؤكد هنا نتيجة الاستفتاء بأنه توقف عند مرحلة سابقة في الاستيعاب والتذوق ولعلنا ننظر الي الجزء الفارغ من الإناء لكن الجزء الممتليء هو أن الشعب الفرنسي مازال يفضل القيم الفنية والأدبية الخالدة التي تعبر عن ذوق رفيع وحالم وبالتالي لا مكان للهزل المبالغ فيه والمعروف بما بعد الحداثة).
الحقيقة ان كلام كراسي مقنع ويحمل مغزي اعمق من كونه يصف ذوق الشعب الفرنسي فأحيانا قد يعبر ذلك عن ذوق الشعب العربي الذي مازال يفضل محفوظ والحكيم وطه حسين والمنفلوطي.
لكن لماذا نعتبر ما بعد الحداثة هزلا كما يشير اليها كراسي ؟

ربما في البداية يجب ان نؤكد أن الحداثة نفسها مازالت تجاهد للحصول علي شرعية لوجودها بين عوالم الفن عامة وليس الأدب فقط وربما تقادم ما يعرف بالحداثة هو ما جعلنا نعتادها نوعا ما وقد نجدها قد اصبحت كلاسيكية في بعد.

إذن فإن ما بعد الحداثة هي وهما فوقيا في تطور لم يكتمل بعد.من هنا تقيم بلدية باريس وجامعة باريس في الشهر القادم وفي ذكري ميلاد عملاق الأدب الفرنسي أندريه جيد (22 نوفمبر المقبل) احتفالا بمولده واحتفاء بالأدب القديم ايضا وتحضر بهذه المناسبة 14خشبة مسرحية في أماكن مختلفة تعرض مسرحيات لعظماء الكتاب أمثال سارتر وسلاكرو وأرتو وكوكيتو وتقدم طبعة جميلة ومنقحة لمجموعة من رسائل ومقالات أندريه جيد لم تنشر معظمها قبل ذلك في كتاب واحد من بينهم مقال كان قد كتبه عن الإسلام والحضارة العربية ونشر في مجلة العصور الحديثة عنوانه (الإسلام واطلاق العنان للعقل العلمي والفلسفي)

والأهم من ذلك أن دار هاتير للنشر والترجمة سوف تطرح الترجمة التي قام بها أندريه جيد لرائعة عميد الأدب العربي طه حسين (الأيام) والتي لم تنشر في وقتها وكان قد ترجمها عن نسخة إنجليزية كان قد اعدها الدكتور عبد الرحمن بدوي الفيلسوف والأكاديمي الراحل.

الأهم من ذلك أن تصدير الطبعة هو كلمة كتبها أندريه جيد عن طه حسين منها (هذا العبقري الذي حرم نعمة البصر والذي يجيد اكثر من أربع لغات إجادة تامة ابن الأزهر الشريف وابن السربون ومونبليه هذا الرجل الذي أثبت للعالم وللتاريخ أن الشرق قد يعيش آمنا وحالما في حضن الغرب والعكس طه حسين الذي عاش في روايته هذه بين أروقة الأزهر خرج يبحث في عالمانية السربون عن الحقيقة فتبحر في الفلسفة والفكر الغربي لكنه عرف أيضا ان الحقيقة الكبري في إسلامه العميق).

ولم يكن أندريه جيد يعرف طه حسين حق المعرفة فقط بل عرفه ايضا طه حسين وترجم له روايته الشهيرة (الباب الضيق) وكان طه حسين من أهم المهتمين بجيد وبأدبه.

يقول جيد عن الإسلام (لن يجعلك الإسلام فقط تشعر بالأمان لأنه يقودك بحكمه إلي خالق واحد يستطيع تدبير الأمور كلها والإحساس بكل عباده بل يفتح الإسلام أيضا طريقا للعقل لتفنيد كل الأمور الظاهرة والباطنة إيضا ما يجعل الإسلام كدين صاحب مذهب علمي وفلسفي واع ونضج ومكتمل).

يقول جان بول سارتر في كلمة اعدها لتأبين أندريه جيد (كل الفكر الفرنسي خلال الثلاثين سنة الأخيرة شاء ذلك أم أبي، وبقطع النظر عن صلاته بماركس وكير كوجارد وهيجل، لا بد أن يعرّف أيضا نسبة إلي أندريه جيد) .

وان دل ذلك فإنه يدل علي عبقرية جيد و مكانته في الأدب الفرنسي والعالمي أيضا.
ولد هذا النجم في سماء الأدب الفرنسي في 22 نوفمبر عام 1869 في حقبة كان من المألوف ان تري فيها علمانيين وملاحدة في فرنسا لكن نادرا ما تجد بروتوستانتا اي انه احيانا كان الإنجيليون الذي تنتسب اليهم عائلة جيد من المذاهب الاكثر غرابة من الملاحدة من وجهة نظر مجتمع كاثوليكي مثل المجتمع الفرنسي علي الرغم من انفلاته وعدم التزامه بجادة الدين.

من هنا نشأ جيد في عائلة محافظة جدا وتربي تربية فيها الكثير من الشدة والتزمت كان معتل الصحة ، و كان منذ صغره يشعر انه مختلف عن الآخرين. لم تكن دراسته المدرسية منتظمة ، فعاش طفولة مشوشة .

ما إن بلغ المراهقة حتي استهوته اللقاءات الأدبية فأخذ يرتاد الصالونات الأدبية والاندية الشعرية . في العام 1891م نشر جيد دفاتر أندريه فالتر التي يحكي فيها في الوقت نفسه شعوره بالكآبة وطموحاته المستقبلية.

وكان بطل هذا العمل الأدبي شابا يدعي أندريه فالتير، يحب ابنة عمه امانويل. وعندما يتخلي عنها يسقط في هاوية الجنون ويموت بحمي دماغية. وفي هذا العمل سعي أندريه جيد إلي طرح أفكاره حول فن الرواية. وعند صدور "دفاتر أندريه فالتير" كتب إلي بول فاليري يقول: مالارميه بالنسبة إلي الشعر وماترلنك بالنسبة إلي الدراما.

وحتي وإن كنت أشعر أنني ضعيف قليلا أمامهما فإنه بإمكاني أن أضيف "أنا" بالنسبة إلي الرواية" وقد سمح هذا العمل الأول لأندريه جيد بدخول الحلقات الأدبية من بابها الواسع، فارتبط بعلاقة قوية بموريس باري، وبستيفان مالارميه وبأوسكار وايلد واقترب من الرمزيين بل إنه كتب بعض القصائد التي تماثل قصائدهم.

وفي خريف 1983، وبصحبة صديقه الرسام البيرلاورانس، قام أندريه جيد برحلة إلي كل من تونس والجزائر، سوف يكون لها تأثير كبير علي مسيرته الأدبية، وبعد أشهر أمضاها في الصحراء والواحات وعلي شاطئ البحر، عاد إلي باريس ليقطع مع "الأخلاقية" التي طبعت سنوات شبابه الأولي وأيضا مع الأدب الذي كان به منبهرا حتي ذلك الحين، والذي أصبح بالنسبة إليه أدبا "تفوح منه رائحة الافتعال والانغلاق".

وفي صيف 1895، عاد أندريه جيد إلي شمال افريقيا ليلتقي هناك بأوسكار وايلد. وعند عودته من تلك الرحلة، توفيت والدته فكتب يقول: "أحسست بكياني كله يتلاشي داخل هاوية من الحب واللوعة والحرية... تلك الحرية التي كنت وراءها حتي في حياة أمي، أتضرع واندفع ثملا مثل ريح بحرية".

وعقب زواجه من ابنة عمه مادلين، أصدر "مستنقعات" الذي بدا وكأنه يتضمن نقدا مقنعا لأوساط الرمزيين الخانقة. وفي عام 1897، أصدر "الأغذية الأرضية" وفي هذا الكتاب الذي يستعرض فيه جيد المتع الجسدية والروحية التي حصل عليها خلال سفراته ورحلاته، خصوصا إلي شمال افريقيا، والذي يختلط فيه النثر بالشعر، وفيه تعلو نبرة غنائية حتي تبلغ أوجها أحيانا يعبر الفرد عن مشاعر الحرية والسعادة والغبطة التي تنتابه في اللحظة التي يتخلص فيها من جميع القيود الأخلاقية: "ان نعرف كيف نتحرر ليس عسيرا.

العسير هو أن نعرف كيف نكون أحرارا". نفس هذا الموضوع أي موضوع التحرر من القيود الأخلاقية، سيكون أساس رواية "اللأخلاقي" التي أصدرها أندريه جيد عام 1902 والتي استوحاها من رحلته الأولي إلي كل من الجزائر وتونس.

وبعد نشوب الحرب العالمية الأولي والتي اندلعت في معظم انحاء اوروبا أصدر أندريه جيد عملا روائيا جديدا تحت عنوان "أقبية الفاتيكان" ومثلما يقول ر.م. البيريس صاحب كتاب "تاريخ الرواية الحديثة" فإن جيد في هذه الرواية يعود إلي موضوع تفوق الحياة علي الوهم الذي كان سائدا عند لوساج وفولتير ليظهر أن الحياة إن لم تكن قصة عجيبة فهي ليست إلا مهزلة ذلك أن أبطال "أقبية الفاتيكان" جوليوس دوبار أغليول وارنيكابيترا وأميدا فلوريسوا هم "فئران تجارب جفاة" يخضعهم تحت ملامح بروتوس أو لافكاديو لسلسلة من أدني التجارب الطبيعية.

إن براهينهم تشابه ثآليلهم وسذاجتهم ومغامراتهم مضحكة. وبفعله العبثي سيصبح لافكاديو بطل الرواية المذكورة احدي الشخصيات المفضلة لدي السورياليين وابتداء من عام 1932 ، بدأ أندريه جيد يبدي اعجابه بالبناء الاشتراكي الذي انتهجه الاتحاد السوفييتي منذ ثورة 1917.

وفي "يومياته" أشاد بالشيوعية واعتبر أنها ربما تكون الحل الأمثل للإنسانية جمعاء. وفي "الأغذية الأرضية الجديدة" الصادر عام 1935، كتب يقول: "في الحقيقة، السعادة التي تقفز علي البؤس.. أنا لا أريدها ولا أبتغيها لنفسي، إن سعادتي الحقيقية هي أن أضيف شيئا إلي سعادة الآخرين.

وأنا بحاجة إلي أن يكون الجميع سعداء حتي أكون أنا سعيدا وفرحا"... ومدعوا رسميا من الحكومة السوفييتية، قام اندريه جيد في صيف 1936 بزيارة إلي الاتحاد السوفييتي وعند عودته، أصدر نصا طويلا تحت عنوان: "عودة من الاتحاد السوفييتي" عبر فيه عن خيبته مما شاهده وعاناه في البلد الذي يعتبر نفسه "القلب النابض للاشتراكية.

وفي عام 1947، وعقب حصوله علي الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد، أحرز اندريه جيد جائزة نوبل للآداب. وقد كتب أحد النقاد الفرنسيين يقول: "مثل بروست، وأكثر من كلوديل، فاليري، الكبيرين الآخرين في جيله ظل جيد حيا وباقيا في قلب الأدب الفرنسي
ولابد ان يكون جيد يستحق هذه الجائزة حيث تجاوز خطوطا حمراء كثيرة في اعماله الأدبية وكأنه يؤسس صرحا جديدا في مدينة الحرية.

وبعد إبحارنا قليلا في بحار أندريه جيد المتلاطمة بها امواج الأبداع علينا ان نعود الي قضيتنا الأصلية وهي قضية الأدب الأصيل وعلينا ان نؤكد ان هزل ما بعد الحداثة هو ما يجعلنا دائما نستشعر عذوبة القديم من هنا ننبه ان تذكير الاجيال الجديدة بجماليات الماضي يجعلنا نعادل ما يتلقونه مشوها تحت أطار ما يعرف بهزل ما بعد الحداثة.






Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment