أثار إعلان الدكتور البرادعي مساء يوم 23 فبراير الماضي عن قيام «الجمعية الوطنية للتغيير»، عقب اجتماعه في منزله بعدد من الشخصيات العامة، تمثل جميع ألوان الطيف السياسي والفكري في مصر، ردود أفعال داخلية وخارجية لاتزال أصداؤها تتردد بشدة حتى الآن. ورغم الحماس الشديد الذي قوبل به الإعلان عن هذه الخطوة، والتي اعتبرها كثيرون بداية لمرحلة واعدة في اتجاه تجسيد الآمال والجهود الرامية لإحداث تحول ديمقراطي مصري بالوسائل السلمية، فإن تساؤلات كثيرة تدور في الأذهان حول ماهية هذا المولود الجديد وأهدافه ووسائله في العمل وعلاقته بمختلف الأحزاب والجماعات والحركات السياسية.
ولأن هذه الأسئلة وغيرها لاتزال توجه إلىّ عبر «التفاعلي» أو البريد الإلكتروني أو الهاتف الشخصي أو في لقاءات مباشرة عديدة جمعتني مؤخرا بشرائح اجتماعية عديدة، خاصة الشباب منهم، فربما يكون من المفيد أن أحاول معالجتها هنا بشكل منهجي شامل، وذلك عبر سلسلة مقالات آمل أن تسهم ليس فقط في توضيح الصورة، وإنما أيضا في فتح باب للحوار حول قضايا لاتزال قابلة لمزيد من الأخذ والرد والاجتهاد.
يبدو لي أن قدراً كبيراً من اللبس يعود إلى عدم وضوح طبيعة العلاقة بين «الجمعية الوطنية للتغيير» و«ظاهرة الدكتور البرادعي»، وتعمد البعض استغلال هذا اللبس لتصوير المولود الجديد وكأنه مجرد أداة تسويقية تستهدف الترويج للبرادعي وتسويقه كمرشح توافقي للرئاسة. ولكي تتضح الصورة الدقيقة لطبيعة العلاقة بين الطرفين، من الضروري أن نتعرف أولاً على الخطوات التي سبقت نشأة الجمعية ورسمت معالم الطريق الذي أفضى إلى قيامها وساهم في بلورة أهدافها وفي تحديد وسائل وأساليب عملها. وفي هذا السياق تبرز حقيقتان على جانب كبير من الأهمية:
الحقيقة الأولى: إن الدكتور البرادعي لم يكن الطرف المبادر بهذه الخطوة والتي وردت فكرتها في الواقع، بصرف النظر عن التسمية التي تم التوافق عليها فيما بعد، على لسان جميع المشاركين في لقاء 23 فبراير. بل يمكن القول دون تجاوز أن الدكتور البرادعي لم يتحمس للفكرة حين طرحت، ولم يضطر لقبولها في النهاية إلا حين أبدى الجميع خشيتهم من مغبة الإحباط الذي سيصاب به الرأي العام حتماً إذا لم يسفر اللقاء عن شيء ملموس يعيد للمصريين بعض الأمل في إمكانية التغيير.
الحقيقة الثانية: إن الذين شاركوا في هذا الاجتماع التأسيسي، إن صح التعبير، لم يأتوا من فراغ وإنما كان وراءهم جهد تنسيقي متراكم تمثلت آخر حلقاته في عمل منهجي منظم قامت به «اللجنة التحضيرية للحملة المصرية ضد التوريث» طوال شهور سبقت تبلور ما أصبح يعرف ﺑ«ظاهرة البرادعي».
أشرت في مقالات سابقة إلى أنني لم أكن طرفاً في المشاورات التمهيدية التي أدت إلى إطلاق «حملة مناهضة التوريث»، وعندما طلب مني أن أكون منسقها العام رفضت في البداية، ثم عدت وقبلت حين توفر الإجماع الذي اشترطته، من منطلق أن وجود شخصية مستقلة، تقف على نفس المسافة من كل الأطراف، قد يسهم في تجنب بعض مثالب وأخطاء الماضي. وبدأ العمل على الفور بتغيير اسم الحركة من «ما يحكمش» إلى «اللجنة التحضيرية للحملة المصرية ضد التوريث»، وطرحت على اللجنة في أول اجتماع لها بندين على جدول الأعمال، الأول: من نحن؟ والثاني: ماذا نريد؟.
وحول سؤال من نحن؟ جرت مناقشة خصبة انتهينا فيها إلى أنه يجب تجنب الادعاء بأننا نمثل كل ألوان الطيف الوطني في مصر، ومن ثم فإن عضوية اللجنة يجب أن تبقى مفتوحة للجميع، بما في ذلك القوى التي لم تكن قد أعلنت انضمامها للحملة عند إطلاقها: كالوفد والتجمع والعربي الناصري، وحصلت على تفويض بالاتصال بهم قمت به على الفور. فبعد أيام التقيت بالدكتور رفعت السعيد في مقر حزب التجمع، في حضور الأستاذ حسين عبد الرازق، وبالأستاذ محمود أباظة في منزله بالزمالك، في حضور الأستاذ منير فخري عبدالنور، كما اتصلت تليفونيا بالأستاذ أحمد حسن.
وحول سؤال: ماذا نريد، جرت أيضا مناقشة خصبة انتهينا فيها إلى أننا يجب أن نقف ضد توريث السلطة بمختلف أشكاله سواء كان «توريثاً بالدم» يستهدف نقل السلطة من الأب إلى الابن، وفق المشروع الذي يجري إعداده في مصر منذ سنوات وينتظر اللحظة المناسبة لتحويله إلى واقع ملموس على الأرض، أو «توريث بالاختيار» يستهدف نقل السلطة من «الرئيس» إلى «النائب» الذي يختاره بنفسه، وفقا للآلية المستخدمة منذ ثورة يوليو والتي تم بموجبها نقل السلطة أوتوماتيكياً من «الرئيس» جمال عبدالناصر إلى السادات إلى مبارك، أو «توريث حزبي» يستهدف حصر اختيار رئيس الدولة داخل حزب مهيمن أو مسيطر يرفض تداول السلطة، وفقا لآلية مستحدثة تضمنتها المادة 76 بعد تعديلها عامي 2005 و2007.
في هذا السياق انطلقت «الحملة المصرية ضد التوريث» وبدأ نشاطها يتبلور تباعاً في اجتماعات منظمة للجنة تحضيرية ضمت ممثلين عن أحزاب سياسية رسمية، الجبهة الديمقراطية والغد الليبرالي، وأحزاب تحت التأسيس الكرامة، والغد، وقوى سياسية مختلفة غير مصرح بها رسميا: جماعة الإخوان المسلمين والحزب الشيوعي المصري، ومؤسسات مجتمع مدني، الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز آفاق اشتراكية ومركز الدراسات الاشتراكية، وعدد من الشخصيات العامة.
وسار النشاط في عدة اتجاهات حيث صدر بيان تأسيسي يلقي الضوء على خطورة مشروع التوريث ويطالب بانتخابات تشريعية ورئاسية حرة وشفافة تحت إشراف كامل من جانب القضاء المصري ومراقبة مؤسسات المجتمع المدني على الصعيدين المحلي والدولي، وهو ما يتطلب إجراء تعديلات دستورية خاصة على المواد 76 و77 و88. وقمنا بحملة لجمع التوقيعات على هذه المطالب شملت ما يقرب من 400 شخصية عامة. كما اشتمل برنامج النشاط على تنظيم سلسلة من الندوات والمحاضرات في القاهرة والمحافظات، كان أبرزها ندوة حول مستقبل الديمقراطية في مصر، عقدت بالتعاون مع نقابة الصحفيين وشارك فيها ما لا يقل عن خمسمائة شخص.
كان العمل في «ضد التوريث» يجري على قدم وساق حين أصدر الدكتور البرادعي، وهو في الخارج، بيانه الشهير الذي يبدي فيه استعداده للترشح للرئاسة إذا تمت تعديلات دستورية تتيح للمستقلين حق الترشح وتكفل نزاهة وشفافية الانتخابات. ولأن ما جاء في هذا البيان اتسق تماماً مع ما تطالب به القوى الوطنية، فقد كان من الطبيعي أن نصدر بياناً يرحب بنزول البرادعي إلى ساحة العمل السياسي المباشر ويعتبره حدثاً بالغ الأهمية يتعين التجاوب معه والاستفادة منه إلى أقصى مدى ممكن.
ترتب على نزول البرادعي إلى ساحة العمل السياسي المباشر تغيير جذري في معطيات «الحالة السياسية»، وبدأت قطاعات من الأغلبية، التي فرض عليها الصمت، تستعيد الأمل في التغيير من جديد، كان من أبرز مظاهرها ظهور حركات شبابية متحمسة لترشيح البرادعي رئيساً للجمهورية، كحركة «البرادعي 2011»، أو لجمع توكيلات تفوضه بتعديل الدستور، كحركة «عايز حقي».
ولأن نشاط هذه الحركات صب في نفس الاتجاه الذي تسير فيه «ضد التوريث» فقد كان من الطبيعي أن تبدأ مرحلة تنسيقية جديدة تمهد للانتقال من «مناهضة التوريث» إلى صياغة «مشروع للتغيير». كان هذا هو السياق الذي جرى فيه تفويضي للاتصال بالدكتور البرادعي، والذي كان لايزال متواجدا في فيينا، لاقتراح تنظيم لقاء موسع معه عند عودته، رحب به الرجل على الفور. وهكذا أصبح الجو ممهداً تماماً لخطوة نوعية جديدة تبدأ باستقبال جماهيري للبرادعي في المطار، وتواصل مسيرتها بعد تنظيم اللقاء المنتظر والذي حدد له يوم 23 فبراير.
وفي هذا اللقاء تم الإعلان عن ولادة «الجمعية الوطنية للتغيير» دون سابق تخطيط من أحد ليقع على عاتق هذه الجمعية مسؤولية صياغة مشروع للتغيير السلمي في مصر، ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بتحويله إلى واقع على الأرض. فما دلالة هذه الخطوة، وما علاقة «الجمعية الوطنية للتغيير» بالدكتور البرادعي من ناحية، وبالأحزاب والقوى السياسية القائمة بما فيها حركة «ضد التوريث» التي نظمت اجتماعها التأسيسي، من ناحية أخرى؟!.. هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه تباعاً.



















0 comments:
Post a Comment