Tuesday, March 23, 2010

لا مُشاحَّة في الألفاظ! د. حسن حنفي



نشأ صراع في ماليزيا أخيراً - وربما أيضاً في إندونيسيا نظراً لوحدة الثقافتين- حول استخدام لفظ الجلالة من قبل غير المسلمين. فقد حرمت بعض الحركات الإسلامية المحافظة أن ينطق غير المسلمين بلفظ الجلالة "الله" لأنه حكر عليهم وباللغة العربية دون غيرها من اللغات، وبالحروف العربية وليس بغيرها مثل اللاتينية Allah. وكالعادة لا حل، في نظر المتطرفين، لمثل هذه الصراعات المفتعلة إلا التكفير والعنف وإسالة الدماء كما تفعل جماعة "بوكو حرام" مثلاً في نيجيريا. وبهذه الطريقة أصبحت صورتنا في الغرب، للأسف، وكأنها مصداق لمنطوق الآية الكريمة: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا مع أن القرآن الكريم قد وصف بها اليهود دون المسلمين.
والحال أن هذا مجرد نموذج لفهم الدين فهماً حرفياً، وهو ذات الفهم الذي ثار ضده الفلاسفة والصوفية حتى قابلوا التنزيل بالتأويل، والشريعة بالحقيقة، والظاهر بالباطن، فالله، سبحانه وتعالى، ليس صوتاً ولا لفظاً ولا حركة باللسان والشفتين. هذا تشبيه وتجسيم وحشوية كما قال القدماء. فالله لا يحل في مكان. لا يُرى ولا يسمع إلا وحيه أي كلامه على لسان الأنبياء، عليهم السلام. وعلى أقصى تقدير تصوره الفلاسفة معنى في الذهن يشير إلى التعالي والشمول، إلى المفارقة والعموم، والتنزيه عن كل أشكال التشبيه. ينعكس هديه ولطفه، جل شأنه، في وحدة البشر وفي المساواة الإنسانية. ويشعر به الصوفية باعتباره حضوراً في القلب ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
أما الصوت فجزء من علوم اللسانيات يدعى الصوتيات. وهي دراسة لمخارج الحروف طبقاً للشفتين أو الحلق. ولفظ الجلالة كصوت، أو ملفوظ بشري، موضوع لهذا العلم. وهو في العبرية والسريانية والعربية يبدأ بالمقطع "إل"، وفي الفارسية بالمقطع"خود" في "خودا". وهو المقطع نفسه الذي اشتق منه لفظ النفس أو الذات في "خودي". فلفظ الله قريب من لفظ النفس في تلك اللغة، ولفظ النفس قريب منه. وله ألفاظ أخرى في اللغات الشرقية السنسكريتية والصينية تبدأ، في معظمها، من المقطع "أوم" وهو نفس المقطع الأول الذي تبدأ منه الألفاظ الأولى التي ينطق بها الأطفال الرضّع في "ماما" و"مم" و"امبو". وقد تكلم كل نبي بلغة قومه ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. والعربية ليست لغة كل الأقوام والشعوب منذ أن خلق الله الأرض ومَن عليها. وتتعدد مجموعات اللغات بين سامية وآرية. والسامية إلى عربية وعبرية وحبشية ومصرية قديمة وقبطية. والآرية إلى هندية أوروبية وسلافية.
وقديماً قال الفلاسفة ومنهم ابن سينا "لا مشاحة في الألفاظ". فالأصوات إنما هي مثيرة للمعاني في الأذهان. وفي صلح الحديبية رفض المشركون البداية بعبارة "باسم الله الرحمن الرحيم" لأنهم، بجاهليتهم، لا يعرفون ما الله وما الرحيم. وقد قبِل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكتب "باسمك اللهم". ورفضوا أن يكتبوا كلمة "محمد رسول الله" فكتب الرسول "محمد بن عبدالله". فيستوي في التعبير عن معنى الله بأي لفظ كان وبأي لغة، إذا أريد المعنى وتم تبليغه للمتلقي.
وما يخشى الآن هو أن يخرج المسلمون من اغتراب ديني إلى اغتراب آخر، من الاختلاف حول شرعية الحجاب والنقاب، هل هو عبادة أم عادة؟ في البدو أو الحضر؟ ويقتتلون فيما بينهم حول الحلال والحرام، ويزهقون أرواح الناس مثل حركة "بوكو حرام" في نيجيريا. وبدلا من أن يكون الأصل في الأشياء الإباحة ولا يُحرم إلا ما حرم الله أصبح التحريم وكأنه هو الأصل في الأشياء، في نظر الغلاة. فكل شيء له حكم شرعي، أقرب إلى الحرام دون الحلال. وكأن بعض المسلمين قد فقدوا السلوك الفطري الطبيعي. وسألوا عن حكم كل شيء. فضاق عليهم العالم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وكذلك ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾. وانشغل الناس بالحلال والحرام وصبوا في سجالاتهم المفتعلة جل جهدهم واجتهادهم. فانحرف الحراك الاجتماعي إلى الشكل والمظهر خوفاً من العالم الواقعي وهروباً منه واستسهالا لتفريغ الطاقة وتجنباً للمعارك الحقيقية، النضال الاجتماعي والسياسي من أجل مجتمع أفضل، يقوم على المبادئ الإسلامية في الحرية والعدالة والمساواة، وخاصة أن الدين ما زال في مجتمعاتنا الإسلامية عاملا محركاً للشعوب. يساهم في التقدم والنهضة لو جابه التحديات الرئيسية للأوطان في الاحتلال والقهر والتخلف والتجزئة والتغريب والاستكانة والاستسلام.
وما الذي يمكن أن يكون أغلى من الأرض والحرية والتقدم والوحدة والمساواة والتنمية والأصالة؟ وهل افتعال السجال والمشاحة حول الألفاظ، يغني عن ضرورة عمارة الأرض ودفع احتلالها، والحرية والرضا بقهرها، والعدالة الاجتماعية والقبول بأن أفقر فقراء العالم من المسلمين، وأغنى أغنياء العالم منهم أيضاً. وفي القرآن﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾، وكذلك ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وقد قال الرسول "أيما أهل عرصة فيهم إنسان واحد جائع تبرأ ذمة الله منه"، ومثله "ليس منا من بات شبعان وجاره طاوٍ". وهل السجال حول نطق لفظ الجلالة بالعربية أو بالآرية أو بالبهاسا الإندونيسية أو بالهوسا أو بالسواحلية الإفريقية أو بالفارسية والاختلاف حول تكفير المسلمين بعضهم بعضاً، والثورة والغضب من الرسوم الدانماركية المسيئة، أهم وأكثر أولوية من ضرورة مواجهة تهويد القدس والخليل ومسجد بلال بن رباح، واحتلال فلسطين كلها؟
إن الخطورة على الأمة هي القنابل الموقوتة المغروزة في مجتمعاتها نتيجة إرث تاريخي طويل، وخاصة أن أحداً لم ينزع فتيلها خوفاً من الانفجار فيه. مع أن الانفجار مرة في مجتهد قد يحمي باقي الأمة من الهلاك. فما زالت المحافظة الدينية هي السائدة نظراً لسيادة فرق محددة على فكر الأمة، وتدعي كل منها أنها "الفرقة الناجية" التي ستدخل الجنة وأن اثنتين وسبعين فرقة أخرى هالكة في النار. وبذلك وقعت الأمة في المظهرية والشكلية واختلفت حول الصلاة مداً للذراعين أم ثنياً لهما، وحول ترتيب الوضوء، وتركت مخاطر التجزئة، العرقية والطائفية والمذهبية، تظهر في لبنان والسودان ومصر والصومال وجنوب شرقي آسيا. فجاء خطر تفتيتها من أجل القضاء على قوة المسلمين في إفريقيا وآسيا. ثم تنشأ حرب دينية بين المسلمين، مع بعضهم بعضاً، ثم بين المسلمين والصينيين والهنود. وتسيل دماء الجميع. وتفتت الأوطان كما انفصلت سنغافورة من قبل عن ماليزيا بدعوى الأغلبية الصينية وحق تقرير المصير والاعتماد على قرارات الأمم المتحدة التي تطبق في حالة دون أخرى، وكما انفصلت باكستان والهند تفتيتاً للقوة الإسلامية ولحصار الإسلام في مجاله الطبيعي. يشق الصف الوطني، ويقضي على الدول الإسلامية المتقدمة مثل ماليزيا وإندونيسيا بإيقاعها في أتون المحافظة والاقتتال بين المحافظين وغيرهم. كل منهم يكفر الآخر كما يحدث الآن في الصومال. وينحرف الصراع الاجتماعي إلى صراع ديني طائفي. وتتحول السلفية، بالمعنى الفكري للكلمة لا العقَدي، من الصراع مع الغرب في الخارج إلى الصراع بين المسلمين أنفسهم في الداخل. وتصبح أداة في يد الغرب بوجهها كيفما يشاء. ويلعب الغرب على هذا التخلف والمحافظة الدينية وعلى التناقضات بين الطوائف والمذاهب، وغياب الحوار بينها، وسيادة منطق القوة عليها، وغياب منطق الحوار.
هذا مقال في السياسة وليس في الدين أو بالأحرى في الثقافة السياسية، في التقدم الذهني وشروط النهضة السياسية. وأهمها الوعي بالحاضر ومخاطره وتحدياته ثم التخفف من ثقل الماضي وأعبائه. فالتحدي هو المستقبل. ونبوءات آخر الزمان في الحديث النبوي نوعان: الأول سلبي ينتهي بنهاية العالم. يقتل فيه المسلمون بعضهم بعضاً. والثاني خلاصي يستمر فيه العالم بنصرة المسلمين إلى يوم الدين. فأيهما نختار؟



Image and video hosting by TinyPic

0 comments:

Post a Comment